مقالات وآراء

. كامل إدريس.. تذكرة اللاعودة

تامتي هنو

أرى وعوداً للإنفتاح والقفز على أزمات الواقع، كما هي قفزٌ فوق الكارثة إذا قرأنا تصريحات كامل ومعه خطة سلطة الحرب، وهي أيضاً البحث عن شرعية مفقودة والهروب إلى “انتخابات الدم”؛ تماماً كما هي تجربة الجنرال سيمون بوليفار التي خيّبت الآمال بتوحيد كولومبيا الكبرى، مع أن بوليفار كان محرراً وصاحب مشروع ثوري. يظل جنرالنا ليس إلا امتداداً لما عُرف محلياً بـ “جنرالات الدم” -أي البرهان- الذي غابّ حلمه بحكم السودان بالحديد والنار، أي بأشأم من “حمالة الحطب” كما وصفها العرب قديماً. فهل يحقق السيد كميل إدريس، الكومبارس ذو الياقة البيضاء، ما عجز عنه هذا الجنرال بعد أن تاه به “ديسمبر” وقعقعة السيوف؟!

أيضاً، بخصوص تصريحات د. كامل إدريس وخلفه الآلة العسكرية والاجتماعية والسياسية لسلطة الأمر الواقع، ومع تتبع طبيعة دعوته وتصميمه على تكرارها بشكل مكثف في إعلام دوائر السلطة، وبذات الكثافة والكفاءة (كفاءة!) على المستوى السياسي بين بعض الشخصيات والمنظمات والعواصم ذات الشأن بالعملية السياسية والنزاع العسكري والأهلي بالسودان؛ عليه، وعلينا كفرض كفاية سياسية وثورية، تحليل الاتجاهات وآليات التعامل معها، وآليات عمل السياسي والإنساني والأمني وفق نقاط ومعايير محددة وضابطة، منها على سبيل المثال:

أولاً: الواقعية السياسية
علينا تفكيك “وهم انتخابات الدم” الذي تجيده سلطة الأمر الواقع في ظل حروب أهلية، وفي ظل فزاعات اجتماعية.

ثانياً: حقيقة غياب الدولة الوطنية
مع استمرار الحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية، والانعدام المستمر للعقد الاجتماعي والسياسي السوداني، بالتالي عدم الدستورية والقانونية؛ فإن أي واقع انتخابي جزئي في السودان يظل استمراراً للعنف والحروب الأهلية.

ثالثاً: المرجعيات الدولية والإنسانية
يجب الإشارة إلى ضرورة وجود مرجعيات دولية وإنسانية حاكمة لأي استحقاق انتخابي سوداني. وعلى سبيل المثال هنا، يجب التذكير بالمبادئ المتفق عليها في “مؤتمر برلين” وغيرها، لوجود مرجعية إجماع إقليمي ودولي حولها، خاصة تسهيل المساعدات الإنسانية، حماية المدنيين، وحرمة استهداف البنية التحتية المدنية؛ أي الالتزام بقواعد الحرب الواردة في مواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي… إلخ.

هذا الجزء من الإلتزامات يتنافى تماماً مع أي اتفاق أو إتجاه سياسي يؤسس لوضع حوار جزئي أو انتخابات جزئية في السودان من أي طرف كان.

رابعاً: خارطة طريق جديدة
يجب أن نذهب إلى الأمام بتسويق مسار جديد وخارطة طريق جديدة، تشمل بشكل مباشر ومختصر: هدناً إنسانية طويلة الأمد، ومعالجات متعددة ومتنوعة لفزاعة انهيار الوضع الإنساني، وعملاً سياسياً متكاملاً وشاملاً يؤدي إلى إنهاء الحرب بشكل جذري، ويؤسس لسودان حديث وجديد قائم على قواعد العقد الاجتماعي السوداني والمواطنة السودانية المتساوية، وسلام شامل وعدالة وطنية ودولية ناجزة. هذا هو المسار الصحيح بدلاً من محاولة القفز حول واقع الحال وتاريخ الأزمة الوطنية الذي يطرحه د. كامل إدريس ومن معه.

خامساً: استعادة منصة ديسمبر
التذكير بأهمية استعادة منصة ثورة 13 ديسمبر المجيدة، أي ربط آليات العمل السياسي والاجتماعي بشرعية الثورة، التي كانت -ولأول مرة في تاريخ السودان الحديث- محل إجماع وطني. مع تأكيدي أن دعوة العودة إلى منصة ديسمبر لا تعني العودة إلى محاصصة السلطة بين العسكريين والمدنيين كما كان الحال قبل انقلاب العسكر في 25 أكتوبر؛ وأعتقد أن د. كامل ومُشغّليه العسكر وخلفهم “الكيزان” إذا طُرحت لهم أي فرصة للعودة لمنصة محاصصة سلطة 30 يونيو 2019، ستعتبر طوق نجاة لهم.

سابعاً: البناء على الآليات الوطنية
يجب ألا نعول كثيراً على الخارج لمجابهة مشروع “وثبة 3” الذي طرحه د. كامل؛ بل يجب البناء أكثر على آليات وطنية للمجابهة، مثل مواصلة إعادة البناء لأكبر كتلة مدنية ممكنة، ومواصلة العمل على تمتين الحد الأقصى من توافق القوى السياسية والثورية والاجتماعية باستعادة مبادئ إعلان الحرية والتغيير، مع ضرورة الحفاظ على الزخم الذي يوفره المجتمعان الإقليمي والدولي لذات الشأن والأهداف أعلاه.

ثامناً: الضغط الدولي وآليات التنفيذ
الدعوة لممارسة أقصى ضغط من المجتمعين الإقليمي والدولي على الأطراف العسكرية في الحرب لتثبيت هدنة طويلة وراسخة، وإتفاق ملزم على طاولة حوار واحدة. هذه أعتبرها الآليات التنفيذية الحاكمة لضمان ألا يذهب النظام العسكري -أو أي طرف عسكري آخر في النزاع- لإعادة إنتاج الأزمة عبر إنتاج “حوار وثبة 3″، الذي هو في نهاية المطاف تكرار لسيناريو سوداني مجرب أثبت تاريخنا الدموي فشله مراراً وتكراراً.

وأخيراً، تنطلق قراءاتي لمضمون دعوة كامل إدريس من التجربة والأزمة الوطنية، ومن واقع مؤلم في كل السودان.

وأيضاً يجب تذكير الجميع بأنه -فنياً- أي انتخابات في واقع الأمر ليست سوى حبر على ورق لصعوبة تنفيذها؛ فلدينا واقع يقول بحرمان جزء كبير من المجتمع من حقوقه الطبيعية في التعليم والصحة ووثائق الثبوتية وغيرها.

تامتي هنو
21 أبريل
2026
كمبالا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..