على عزت بيقوفتش.. لماذا تجاهل ذكر البشر في سفره القيم ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
على عزت بيقوفتش..لماذا تجاهل ذكر البشر في سفره القيم ؟
(المجاهد المجتهد) ، هما الصفتان اللتان فضل الدكتور عبد الوهاب المسيري إطلاقهما عليه في تقديمه للكتاب المترجم لعلي عزت بيقوفتش بواسطة الأستاذ/ محمد يوسف عدس بعنوان ( الإسلام بين الشرق والغرب)والذي تتجمع فيه كل عوامل متعة القراءة . وبنى نعوته على قيادة المؤلف لشعبه في مواجهة حرب الإبادة من جهة ، واجتهاده القيم في الكتابة عن الإسلام.الكتاب حافل عاج بسيل من العلوم في كافة المجالات.وكان للمنشأ الأوربي مع العيش في ظل النظام الإشتراكي دوره في تزود الكاتب بكل الفلسفات الغربية في جميع مدارسها كما لاحظ المسيري. وليس هنالك أفضل من مقدمة المسيري للدخول إلى أغوار هذا الكتاب.ومنها نقتبس ما يفيد مقالنا هذا.
ففي تناوله المقارن بين الإسلام والفلسفات الغربية. يقرر المؤلف أن البعد المعرفي للرأسمالية والإشتراكية واحد . ويعتمد على الإنسان ذي الأصول الطبيعية.المستند بدوره على نظرية دارون في نشأة الإنسان ( لم يأت على سيرة البشر) وهذا ما سنتناوله لاحقاً.والمؤلف يعتبر أن منطقية مسار النظرية تنشئ حيواناً مثالياً ، لكنها لا يمكن أن تنشئ إنساناً. ولإثبات ذلك يقارن بين منطقية سلوك الحيوان لاصطياد فريسته حين تسنح الفرصة من جهة، في مقابل لجوء الانسان البدائي إلى الطقوسية في السحر والرسم للوصول إلى نفس الهدف. ثم يدلف إلى الدوار الميتافيزيقي .ويضيف أن قول أن المادية تنتج أشياء غير مادية مثل الوعي والعقل ينسب للمادية قدرات غير مادية.ويضيف أنه مقابل الخط المتصل للتطور المادي خط مواز له لم يحدث فيه تطور مثل قيم التضحية والضمير والخوف من الموت والمجهول.
في زاوية اخرى يناقش الفرق بين التوحيد الذي يعني ثنائية الخالق والمخلوق في نظره، والواحدية التي تؤمن بالإله الموجود في المادة ( مثل أهل الحلول) ويقرر أن الإله مفارق للمادة.
استناداً على ما سبق يقرر أن تفسير كل ما سبق لا يمكن قبوله إلا بالإقرار بوجود الخلق الإلهي. وهو فعل فجائي لا خيار للإنسان فيه.وأن قضية الخلق هي قضية الحرية الإنسانية.لأن الإنسان بنظره لا يمكن أن يكون مبرمجاً . ويرى أن الحرية والإنتاج فكرتان متناقضتان. فالله لا ينتج ولكنه يخلق.ويزيد ان الموقف المادي من الأخلاق يساوي بين الإنسان والمادة.حيث أن الخط النهائي للمادة يهدف إلى البقاء الذي هو للأقوى وليس للأفضل بالمعنى الأخلاقي.لأنه من الناحية المادية ،يعتبر انتاج فيلم إباحي أكثر دخلاً من إنتاج فيلم ثقافي.وأن فكرة المساواة توجد في الدين بينما المادة توجد أناساً مختلفين .
وهنالك محطة مهمة نتجت من وجوده بالقرب من مجتمعات تسود فيها المسيحية وعيشه في دولة إشتراكية . ويقارن في هذا المحور بين روحية وملائكية الكنيسة من جهة والتي احتقرت الزواج لتصل مستسلمة للواقع إلى المقولة الشائعة ( الزواج شر لا بد منه).ومن الجهة الأخرى يتناول مادية الإشتراكية.ويذهب من هذه النقطة إلى ثنائية الإسلام الذي يقول أنه وجد قبل الإنسان. ويعتبر سجود الملائكة لآدم تفوقاً لما هو إنساني على ما هو ملائكي.ويقرر أن الإسلام ليس ديناً ودولة، بل دين ودنيا.ثم يدلف إلى المقارنة بين روحية الكنيسة حتى في التصميم وعقلانية المسجد. وكذلك بين عصمة البابا والإجماع الإسلامي ويقارن بين الثقافة التي يعتبرها تاثير الدين على الإنسان والحضارة التي يراها تاثير العقل على المادة.
في خاتمة تناوله لا ينسى أن يذكر مشكلة الإسلام في الراهن . ويوجزها في ترك الثنائية التكاملية بين الروحي والمادي وتحويله إلى صوفي مجرد.ويصل إلى نتيجة مؤداها أن الملوك والأمراء والعلماء الملحدون ورجال الكهنوت وفرق الدراويش والشعراء والسكارى ، يمثلون الوجه الخارجي للإنشطار الداخلي الذي أصاب الإسلام.
لقد نال الكتاب جائزة الملك فيصل العالمية.وقد أرهق المترجم لغزارة المعلومات والمصادر .لكنه خرج ترجمة سلسة تليق بكتاب يلخص اعقد الفلسفات بوضوح ويسر. وقد اقر في محاضرة عند استلامه للجائزة بأنه بدأ تأليفه في الستينيات.وقد لفتتني ثلاثة ملاحظات في الكتاب وهي :
1/ لقد أجتهد كثيراً وبطرق علمية في نقض البعد المعرفي لأهم فلسفتين سادتا العصر وهما الرأسمالية والإشتراكية.لكنه كما سبق يقول أن ثبات القيم رغم التطورالمادي لا يمكن أن يدل إلا على وجود الخلق. وهو قول قد يعجب المؤمنين بوجود الخالق لكنه قفزة بلا دليل في حقل الفكر الإنساني الذي يحتاج إلى أدلة مادية.
2/ إغفاله ذكر البشر. وهي ملاحظة ليست عابرة. فإذا كان الماديون قد استخدموا لفظة البشر في مرحلة معينة. وأثبت القرآن من ناحيته لفظة البشر ، بل قال تعالي في أكثر من موقع في القرآن الكريم أنه خالق بشراً من طين ،ومن صلصال من حما مسنون.فإن إغفال ذكره يعتبر قفزاً على مرحلة مهمة في تاريخ تكوين الإنسان وفقاً لمفكرين مسلمين محدثين. فمنطقية وميكانيكية نظرية دارون وفق شحرور مثلاً قد وقفت عند بلوغ التطور مرحلة البشر. لكن الإنسان قد تكون ببث الروح في البشر المستوي الذي اصطفاه الله من بين بشر متعددين كانوا قبل آدم يفسدون في الأرض كما قالت الملائكة.
3/تاليف الكتاب في الستينيات قبل انهيار النموذج الإشتراكي ، وإن توقعه ،حرم المؤلف من تناول معارف وتجارب ضخمة تلت الفترة.فإن النماذج العصرية للحكم التي قدمت الإسلام . قد طرحت إشكالية المثال والواقع. وهي التي استند المؤلف كثيراً عليها في نقد بقية التجارب.
معمر حسن محمد نور
[email][email protected][/email]




هوامش
ولد عبد الوهاب المسيري في مدينة دمنهور في مصر في تشرين أول عام 1938. تلقى تعليمه الأولي (الابتدائي والثانوي) في مقر نشأته. في عام 1955 التحق بقسم اللغة الإنجليزية كلية الآداب جامعة الإسكندرية وتخرج عام 1959 وعين معيداً فيها عند تخرجه. سافر إلى الولايات المتحدة عام 1963 حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك عام 1964، وعلى الدكتوراه من جامعة رتجرز بنيوجيرزي عام 1969.
عند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود (1983 ـ 1988)، كما عمل أستاذا زائرا في أكاديمية ناصر العسكرية، والجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا)، وعضو مجلس الخبراء في مركزالأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (1970 ـ 1975)، ومستشارا ثقافيا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك (1975 ـ 1979). وهو عضو مجلس الأمناء في جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية ببليسبرغ، بولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الاميركية.
صدرت له عشرات الدراسات والمقالات عن إسرائيل والحركة الصهيونية ويعتبر واحدًا من أبرز المؤرخين العالميين المتخصصين في الحركة الصهيوينة.
الأستاذ/ محمد يوسف عدس
كان أحد الأعضاء المؤسسين لمشروع ” إسهامات المسلمين في الحضارة الإسلامية” الذي استهدف اختيار مائة كتاب من أبرز الكتب العربية التي أعتبرت ركائز هذه الحضارة في شتى مجالات المعرفة العلمية والفكرية، وإعادة نشرها وترجمتها إلى اللغات الحية الكبرى: الإنجليزية والفرنسية على وجه الخصوص، لتعريف العالم الغربي بحقيقة ما توصّل إليه العقل المسلم في تقدّم الحضارة العالمية.
علي عزت بيقوفتش
علي عزت بيجوفيتش 1925 أول رئيس جمهوري للبوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب الرهيبة في البوسنة. ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها “الإسلام بين الشرق والغرب”. ولد في مدينة بوسانا كروبا البوسنية، لأسرة بوسنية عريقة في الإسلام، واسم عائلته يمتد إلى أيام الوجود التركي بالبوسنة؛ فالمقطع “بيگ” في اسم عائلته هو النطق.
هوامش
ولد عبد الوهاب المسيري في مدينة دمنهور في مصر في تشرين أول عام 1938. تلقى تعليمه الأولي (الابتدائي والثانوي) في مقر نشأته. في عام 1955 التحق بقسم اللغة الإنجليزية كلية الآداب جامعة الإسكندرية وتخرج عام 1959 وعين معيداً فيها عند تخرجه. سافر إلى الولايات المتحدة عام 1963 حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك عام 1964، وعلى الدكتوراه من جامعة رتجرز بنيوجيرزي عام 1969.
عند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود (1983 ـ 1988)، كما عمل أستاذا زائرا في أكاديمية ناصر العسكرية، والجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا)، وعضو مجلس الخبراء في مركزالأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (1970 ـ 1975)، ومستشارا ثقافيا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك (1975 ـ 1979). وهو عضو مجلس الأمناء في جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية ببليسبرغ، بولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الاميركية.
صدرت له عشرات الدراسات والمقالات عن إسرائيل والحركة الصهيونية ويعتبر واحدًا من أبرز المؤرخين العالميين المتخصصين في الحركة الصهيوينة.
الأستاذ/ محمد يوسف عدس
كان أحد الأعضاء المؤسسين لمشروع ” إسهامات المسلمين في الحضارة الإسلامية” الذي استهدف اختيار مائة كتاب من أبرز الكتب العربية التي أعتبرت ركائز هذه الحضارة في شتى مجالات المعرفة العلمية والفكرية، وإعادة نشرها وترجمتها إلى اللغات الحية الكبرى: الإنجليزية والفرنسية على وجه الخصوص، لتعريف العالم الغربي بحقيقة ما توصّل إليه العقل المسلم في تقدّم الحضارة العالمية.
علي عزت بيقوفتش
علي عزت بيجوفيتش 1925 أول رئيس جمهوري للبوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب الرهيبة في البوسنة. ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها “الإسلام بين الشرق والغرب”. ولد في مدينة بوسانا كروبا البوسنية، لأسرة بوسنية عريقة في الإسلام، واسم عائلته يمتد إلى أيام الوجود التركي بالبوسنة؛ فالمقطع “بيگ” في اسم عائلته هو النطق.