تحديات أخلاق الكتابة: زهير عثمان وإعادة إنتاج الأفكار وتغييب أصحابها

بقلم بدر موسى
بسم الله الرحمن الرحيم
(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) صدق الله العظيم.
هل يعقل وهل يستقيم أخلاقياً، أن يحضر كاتب محاضرة امتدت لسبع ساعات، وكان موضوعها: “المواطنة والآخر في الفكر الجمهوري: حوار ضد الحرب والعنصرية”، وشارك ذلك الكاتب في النقاش، ثم يأتي هذا الكاتب المتجرئ بعد نحو ساعتين من انتهاء المحاضرة، ليكتب مقالاً، تقوم فكرته ومفرداته ومعانيها ومضامينها، على ما ورد في المحاضرة، دون أن يشير للمحاضرة أو للمحاضر؟
وهل يجوز علمياً أن يتناول هذا الكاتب في مقاله ما جاء في المحاضرة، دون الإشارة إليها أو الإشارة للمحاضر، كأنما كل ما جاء في مقاله من بنات أفكاره؟
وهل من الذكاء في ممارسة الكتابة في عالم اليوم، حيث سرعة الكشف ودقة المراقبة وسهولة المتابعة للمخالفات المتصلة بالطمع في الأفكار، أن يُغيِّب كاتب مصدر معلوماته أو يسعى لإعادة إنتاج الأفكار دون الإشارة لأصحابها؟
وهل من الذكاء في ممارسة الكتابة في عالم اليوم، أن يمتلك الكاتب، دون الاستحقاق العلمي والأخلاقي، ما ليس هو ملكاً له من الأفكار؟
وهل لدينا من فعل كل هذا؟
بلى، الأستاذ زهير عثمان للأسف الشديد، قد فعل ذلك، ونشره الفضاء السوداني والكوكبي، بتاريخ 13 يونيو 2026.
تحديات أخلاق الكتابة: هذا لا يليق
لقد اطلعت على مقال زهير بعنوان: “أنسنة الإسلام في الفكر الجمهوري-الإنسان غاية الدين لا وسيلته”، وقد نشره صباح يوم 13 يونيو 2026 في عدة مواقع وصحف إلكترونية، منها: صحيفة الراكوبة وسودانايل، وغيرهما.
لم يخرج المقال في فكرته وعنوانه ومفرداته ومضامينه ومحاوره الأساسية من محاضرة الدكتور عبد الله الفكي البشير، الموسومة بــ : “المواطنة والآخر في الفكر الجمهوري: حوار ضد الحرب والعنصرية”، والتي قدمها في منصة الفكر الحر للاستنارة بالتعاون مع غرفة غريب للاستنارة مساء يوم 12 يونيو 2026.
وامتدت المحاضرة من التاسعة ليلاً بتوقيت السودان حتى نحو الخامسة صباحاً.
وقد كانت بحق محاضرة أكثر من رائعة، أدارتها الأستاذة جيهان البدوي، بكفاءة واقتدار ورقي، وحضرها أكثر من (250) من الشباب والشابات، الذين ظلوا متابعين ومنصتين لدكتور عبد الله، لأكثر من سبع ساعات متصلة!
وهذه المحاضرة كانت نتيجة لمحاضرة سابقة، حيث طلب المنظمون، استجابة لطلب الحضور، من الدكتور عبد الله تقديم محاضرة ثانية.
وكانت المحاضرة الأولى بعنوان: “أزمة التغيير ويُتم الفكر في السودان: قراءة في فكر محمود محمد طه” (23 مايو 2026).
وقد اتسمت المحاضرة بالحيوية والمتعة الفكرية، وقد استمرت لمدة تسع ساعات ونصف، حيث تخللتها أسئلة عديدة وذكية من الحضور، تنوعت وغطت تقريباً معظم المحاور العميقة التي أبرزها زهير في مقاله.
فقد كان زهير من بين الذين تابعوا المحاضرتين، بل أكثر من هذا، لقد شارك بكثافة في الحوار، وطرح عديد الأسئلة، وقام بمناجزة عبدالله، على نحو يمكنني وصفه بأنه متشكك في معظم ما تفصله شروحات عبدالله من محاور الفكرة الجمهورية، وخاصة هذه التي تناولها زهير في مقاله الذي بين أيدينا الآن.
ولم يشر زهير في مقاله، لا من قريب ولا من بعيد، لأي من محاضرات عبدالله.
وهذا لا يليق.
لقد ظهر لي من مقال زهير جانباً مشرقاً يخبر عن قناعات إيجابية بما قدمه عبدالله في محاضرتيه، مثل قول زهير:
“… فالجمهوريون لم ينطلقوا من رفض الإسلام أو القطيعة معه، بل سعوا إلى إعادة قراءته من منظور يضع الإنسان في مركز الاهتمام.. ولهذا يمكن النظر إلى مشروعهم باعتباره محاولة مبكرة لـ «أنسنة الإسلام»، أي البحث عن المعاني التي تجعل الحرية والكرامة والمساواة جوهر الرسالة الدينية لا مجرد نتائج جانبية لها”.
وقول زهير:
“.. واحدة من أهم نتائج هذه الرؤية هي مفهوم المواطنة. فالمواطن لا تُقاس قيمته بدينه أو عرقه أو قبيلته أو جنسه، بل بإنسانيته أولاً- ومن هذا الفهم يصبح الدفاع عن حقوق المرأة، وحقوق الأقليات، وحرية الضمير، والمساواة أمام القانون، جزءاً من جوهر المشروع الديني نفسه، لا تنازلاً أمام الحداثة أو استجابة لضغوط خارجية.
لقد حاول الجمهوريون تأسيس مفهوم للمواطنة يتجاوز الانقسامات التقليدية التي ظلت تؤرق المجتمع السوداني، ويجعل الانتماء للوطن قائماً على المساواة والحقوق المشتركة لا على الامتيازات الموروثة.
الآخر شريك لا خصم..”.
انتهى النقل من مقال زهير.
وكل هذه المواضيع والمحاور، لاسيما: الآخر، ومفهوم المواطنة، وأنسنة الحياة وأنسنة الإسلام، والإنسان غاية عند الله وفي الدين، وكرامة الإنسان، والإنسان مركز الاهتمام، والتهميش وحقوق الأقليات، والانتماء للوطن قائماً على المساواة والحقوق المشتركة، والاحتفاء بالتعدد الثقافي، وغيرها، كلها جاءت مفصلة في محاضرة عبد الله عن المواطنة والآخر في الفكر الجمهوري المشار إليها أعلاه، وكذلك المحاضرة الثانية، وفي غيرها من مساهماته وكتبه.
تحديات أخلاق الكتابة: أساليب التخفي
وهذه الموضوعات التي تناولها زهير، وهو يشير في مقاله، بالقول: “لقد حاول الجمهوريون تأسيس مفهوم للمواطنة يتجاوز الانقسامات التقليدية”، أو قوله: “أما في الفكر الجمهوري فإن التعددية تُفهم باعتبارها جزءاً من حكمة الخلق وسنة الحياة”، أو قوله: “ولذلك دعا الجمهوريون إلى الحوار والتسامح والاعتراف المتبادل بين الجماعات المختلفة، بدلاً من منطق الإقصاء والاستعلاء”، أو قوله: “لهذا رأى الجمهوريون أن جوهر الإسلام لا يكمن في الإكثار من القوانين والعقوبات، وإنما في بناء إنسان حر ومسؤول أخلاقياً عن أفعاله واختياراته”، فضلاً عن حديثه عن الآخر والمواطنة.
والحق أن كل هذه الموضوعات التي تناولها زهير مشيراً في مقاله متخفياً ومتعالياً عن ذكر عبدالله، بالقول: إن الجمهوريين يرون ويقولون، إن كل هذه الموضوعات على التحقيق، وأنا جمهوري منذ نحو خمسة عقود من الزمان، ليست من الموضوعات التي تناولها أي من الجمهوريين بالكتابة أو المحاضرة، غير عبدالله الفكي البشير، خاصة موضوعات مفهوم الآخر، ومفهوم المواطنة، وقضايا التهميش في الفكر الجمهوري، والمقارنات مع المفكرين، والتشريعات تُعبر تطور المجتمعات (كانت محاضرة لعبدالله بهذا العنوان)، والموقف من الأديان، والموقف من التراث، وهوية الدولة في الفكر الجمهوري، وقضايا الهوية في الفكر الجمهوري.
لقد تناول عبدالله، هذه الموضوعات في محاضرات بلغت (144) محاضرة، وكان آخرها محاضرة يوم 12 يونيو 2026، كما شارك بنحو (40) ورقة علمية في مؤتمرات إقليمية ودولية، كما نشر تسعة كتب.
والحق أنها من العلوم التي تكشفت لعبدالله أخيراً، ولم تتكشف لغيره من قبل.
فالفكرة الجمهورية، كما شرح عبدالله، تتطور بمعنى أنها تتكشف كلما تتطور الزمن، ولا تعطي أسرارها وتفاصيل ما تتكشف عنه ويخاطب الراهن والمستقبل الذي يستجد، إلا لمن هو حاضر معها حضورا يكاد يكون بلا غفلة، كما هو حال عبدالله، وأنا على هذا من الشاهدين.
ولقد ظهر لي هذا، كما ظهر لكثيرين غيري، من المتابعين، في تفاصيل ما قدمه عبدالله وحده في كتبه ومحاضراته عن قضايا التهميش والتنمية والآخر وغيرها من المواضيع التي لم يتناولها غيره من الجمهوريين بمثل ما شرحه وفصله، ومنها ما ركز عليه مقال زهير بالتحديد.
تحديات أخلاق الكتابة: ما يحير ويحزن
الذي حيرني وأحزنني كثيراً هو: لماذا غيب زهير الإشارة للمحاضرة التي حضرها وشارك فيها، وكتب مقاله بعد نحو ساعتين من نهايتها، وهي الأصل في مفردات مقاله، مثل الآخر والمواطنة والإنسان غاية وليس وسيلة… إلخ؟
لماذا آثر زهير ألا يشير إلى حقيقة أن المحاضرة حفزته للتأمل والكتابة؟
لماذا تعالى زهير وتكبر عن الإشارة إلى أنه تعلم من محاضرات عبدالله واستلهم، أو فهم تفاصيل وشروحات كل المحاور التي ذكرها في مقاله هذا من خلال حضوره ومتابعته لمحاضرتي عبدالله الأخيرتين؟!
وماذا كان يضيره، أو ينقص من قدره، أو يقلل من أهمية مقاله، لو أنه ابتدر مقاله بسطر أو سطرين يثبت فيهما الفضل لعبدالله، ويذكر حقيقة أنه قد استخلص مضمون مقاله هذا من هاتين المحاضرتين؟!
تحديات أخلاق الكتابة: أسئلة مهمة
من بين الأسئلة المهمة: هل يعلم زهير أن كتابته لمقاله بهذه المجافاة للحقيقة، وهذا الاجهاض لحق عبدالله فيما يقدمه من شروحات للفكرة الجمهورية، ربما يُوقعه فيما يعرف بسرقة الأفكار؟
وهذا مالا ننعته به، ولا نريد لزهير أن يقع فيه، لا الآن ولا مستقبلاً..
وهل يعلم الكُتاب والقُراء والقارئات أن تغييب أصحاب الأفكار، أو إعادة انتاج الأفكار دون الإشارة لأصحابها، وأن تبني الأفكار دون الذكر لأصحابها، يُعد من أخطر أنواع السرقات الأدبية؟!
تحديات أخلاق الكتابة: خاتمة
ما الذي يكسبه زهير من تغييب عبد الله ومحاضرته في مقاله، إذا كسب زهير شهرة بدون استحقاق معرفي لتفاصيلها؟!
هل يريد أن يحمد على ما لم يفعل، ووقع في محظور ما حذرت منه الآية التي صدرت بها مقالي هذا، وأرجوه صادقا أن يتأملها ويراجع نفسه حتى لا يتورط بأكثر مما فعل.
ختاماً أدعو القراء والقارئات للاستماع لمحاضرتي الدكتور عبد الله الفكي البشير، المشار إليهما أعلاه في الرابطين أدناه:
عبدالله الفكي البشير، “المواطنة والآخر في الفكر الجمهوري: حوار ضد الحرب والعنصرية”، إدارة جيهان البدوي، منصة الفكر الحر للاستنارة بالتعاون مع غرفة غريب للاستنارة، 12 يونيو 2026
عبدالله الفكي البشير، “أزمة التغيير ويُتم الفكر في السودان: قراءة في فكر محمود محمد طه”، إدارة وليد معروف، منصة الفكر الحر للاستنارة بالتعاون مع غرفة غريب للاستنارة، 23 مايو 2026



