جهات عليا.!

إبان تفجُّر قضية فساد شركة الأقطان الشهيرة، وبعد طول جدال، انتهتْ القضية إلى التحكيم، الذي أجبر رئيس المحكمة الدستورية الأسبق على الاستقالة. كان وزير العدل وقتذاك يشكو أمام البرلمان قلة حيلته، حينما أعلنها أمام الرأي العام بالحرف ?جهات عليا مارست ضغوطاً لسحب ملف الأقطان من المحكمة، وإخضاعه إلى التحكيم?.
في صحف أمس، رئيسة لجنة الصحة بالبرلمان تشكو تباطؤ محاسبة المتورطين في قضية شركات الأدوية.
وقضية شركات الأدوية لمن فاته الفساد، هي شركات مسجلة لأغراض صحة الناس، ويمنحها البنك المركزي النقد الأجنبي لهذه الأغراض، أي الدولار مقابل استيراد الدواء، لكن الشركات استلمت النقد الأجنبي وحولته لأغراض أخرى.
لا أعتقد أنَّ الشكاوى المتكررة من تباطؤ المحاسبة عاد أمراً مجدياً، لأنَّ الطبيعي أصبح استشراء الفساد وترقي المتورطين، بينما يفقد الذين يصدقون شعارات محاربة الفساد وظائفهم ويصبح مصيرهم اللجوء.
ولا أظنُّ أنَّ هناك من لديه الشجاعة والاستعداد لمواجهة الفساد، لأنه يرى مصير ضابط الشرطة أبو زيد أمامه.
الفساد محمي بذات الجهات العليا التي أشار إليها وزير العدل وقتذاك، ولا حاجة إلى سرد أدلة وإسهاب في الحجج.
كمية القضايا التي تفجرتْ وانتهتْ إلى لا شيء كافية.
بل، كمية القوانين والإجراءات التي أعلنتها الحكومة ووقفت عند محطتها الأولى، تؤكد ذلك.
قبل يومين تحدث الرئيس عن تفعيل قانون الثراء الحرام، وفي ذات الوقت الحديث عن مفوضية، ثم مفوضية ومفوضية، والنتيجة صفر.
اليقين أنَّ محاربة الفساد شعار مرفوع بمد اللسان، لم يعد هناك مثقال ثقة في أنَّ هذا الشعار جاد، هو فقط للاستهلاك الإعلامي مرة ولتصفية الحسابات مرة أخرى.
الفساد بات نظاماً متماسكاً، إذا دخله أحدهم لا إرادياً يتحول إلى فاسد، والمؤسف حقاً، أنَّ قضايا الفساد أصبحت أخباراً عادية لا وقوف عندها، خطورة ذلك أن يتكيف الجميع مع هذه الوضعية، ولا ينهض أحد لرفضه.
إن قال قائل إنَّ الوضع مغري للفساد والإفساد، فهو على حق.. فلم يعد هناك من يدعو للخوف من انتهاكات المال العام، لأنَّ من يفعل ذلك سوف يجد الحماية بلا شك، ومن ذات الجهات العليا، فقط عليه أن يكون ?محترماً? في انتهاكهه ولا يرضى بالقليل، حتى لا يتحول لكبش فداء.
التيار

