مقالات وآراء

كان “العشم” ان يصبح الامتحان جسرًا للتعافي لا سلاحًا للفرقة؟

حسن عبد الرضي

في زمن الحرب والانقسام، حين تتشظى الجغرافيا وتتنازعها البنادق، يبقى التعليم آخر ما يجب أن يُمسّ، لأنه الخيط الذي يحفظ بقاء الوطن في ذاكرة أبنائه. ومن هنا تبرز قيمة كل جهد صادق يسعى إلى تحييد التعليم عن الصراع، وإلى حماية حق الطلاب في الجلوس لامتحاناتهم بعيدًا عن الحسابات السياسية والعسكرية.
المبادرة الوطنية الطارئة لدعم امتحانات الشهادة السودانية قدّمت نموذجًا وطنيًا يستحق التقدير والاحترام. لقد سعت، على مدى أشهر، إلى تحقيق هدف بالغ النبل والضرورة: توحيد الامتحانات لطلاب السودان كافة، داخل نطاق الحكومتين المتصارعتين، بما يضمن حق الطلاب في مختلف المناطق في أداء امتحانات موحدة ومحايدة سياسيًا، تحفظ للشهادة السودانية رمزيتها التاريخية كأحد آخر أعمدة الوحدة الوطنية.
هذا المسعى لم يكن مجرد خطوة إدارية أو تنسيق تقني، بل كان مشروعًا أخلاقيًا وسياسيًا بامتياز؛ مشروعًا يؤكد أن السودان أكبر من سلطاته المتنازعة، وأن أبناءه يستحقون مستقبلًا لا تحدده خطوط النار ولا مزاج السياسيين.
لقد كشفت المبادرة، بوضوح مؤلم، أن المشكلة لم تكن في الإمكانية الفنية أو اللوجستية، بل في غياب الإرادة السياسية لدى سلطة بورتسودان. فبينما أبدت الجهات الأخرى استعدادًا لتجميد امتحاناتها الموازية والتنسيق الكامل لإنجاح امتحانات موحدة، اصطدمت المبادرة – بحسب ما ورد – بجدار من الصمت والرفض من الجهات المسيطرة في بورتسودان.
وهنا تتجلى المأساة الحقيقية: حين تتحول حقوق الطلاب إلى أوراق تفاوض، وحين يُستخدم التعليم كأداة لإعادة تشكيل النفوذ بدل أن يكون مساحة مشتركة تحفظ ما تبقى من الوطن.
إن حرمان نحو ربع مليون طالب وطالبة من الامتحان ليس مجرد رقم عابر. إنه جرح وطني مفتوح. إنه مئات الآلاف من الأحلام المؤجلة، والسنوات المهدرة، والمستقبل الذي يُسرق من جيل كامل. والأشد قسوة أن ٦٥% من هؤلاء المحرومين من الطالبات، ما يعني أن الكارثة تضرب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
التاريخ سيذكر أن هناك من حاول أن يجعل من الشهادة السودانية جسرًا بين السودانيين، لا متراسًا بينهم. وسيذكر أيضًا من عطّل هذا الجهد، ومن اختار الحسابات الضيقة على حساب حق الأطفال والشباب في التعليم.
لقد أثبتت هذه المبادرة أن المجتمع المدني ما زال قادرًا على حمل همّ الوطن حين تعجز الحكومات. وأثبتت أن السودانيين، رغم الحرب، ما زالوا يملكون القدرة على التفكير في المستقبل لا في الانتقام.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط ضياع عام دراسي، بل أن تتحول الشهادة السودانية – التي كانت رمزًا للوحدة والجدارة – إلى أداة للتمييز والإقصاء. عندها لا يكون الخطر تعليميًا فحسب، بل وجوديًا، لأنه يمس فكرة السودان نفسه.
لهذا، فإن تثمين دور هذه اللجنة ليس مجرد إشادة بجهد تنظيمي، بل هو دفاع عن مبدأ أساسي: أن التعليم حق غير قابل للمساومة، وأن الامتحان يجب أن يكون فوق الحرب، وفوق السياسة، وفوق الانقسامات.
في الأزمات الكبرى، تُقاس الأمم بقدرتها على حماية أطفالها وطلابها. والسودان اليوم أمام اختبار أخلاقي حقيقي: هل يبني جسورًا لأجياله القادمة، أم يتركهم أسرى لصراعات لا ذنب لهم فيها؟
المبادرة الوطنية قدّمت الإجابة التي تليق بالوطن. ويبقى السؤال: هل تسمعها السلطة قبل أن يضيع جيل كامل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..