

ذات مرة ونحن وقتذاك نعمل بالدوحة ، والإمبراطور الراحل “وردي” بيننا في رحلة زراعة الكُلى الشهيرة في أكتوبر 2002م تحديداً ، طلب مني الأستاذ “محمد وردي” عليه الرحمة أن نحاول استخراج تأشيرة زيارة ل”محجوب” لقضاء شهر كامل معه بالدوحة بعد الانتهاء من زراعة الكلية .. ووردي يعرف جيدا علاقتي الممتدة مع شاعر الشعب منذ شبابنا الباكر .. فقلت له ممكن جداً ولكنني أعاني دوماً من حكاية الخدمة المقطوعة من تلفون بيت “محجوب شريف”، ضحك “وردي” ضحكة مجلجلة قبل أن يعلق قائلاً : تعرف يا “باشا” عادي جداً يكون تلفون المنزل مقطوعاً بسبب الفاتورة ، وقد تعودنا حين نطلب “محجوب” أن نسعى أولاً لسداد فاتورة هاتفه حتى نتمكن من مهاتفته ، وبالتالي سنقوم من هنا بإنجاز المهمة ونسدد الفاتورة لتتصل به كي يرسل صورة الجواز حتى تشرع في استخراج التأشيرة من الجوازات القطرية ، ثم أضاف “وردي” جملة توقفت عندها كثيراً حين قال لي : إن زهد “محجوب شريف” هذا لا يوجد له مثيل إلا في عهد الصحابة، وبالتالي مثل “محجوب” لن يعمر كثيراً لأن مثل هؤلاء البشر ماتوا زمان لأنهم أخيارنا جميعاً.
قلت ل”محجوب”: لقد شاهدناك في التلفزيون ذات مرة وأنت تلقي الشعر في احتفالات نادي الهلال ، فهل أنت هلالي أو لك انتماء رياضي؟ ضحك “محجوب شريف” ضحكة مميزة ثم قال : إنه لا يفقه شيئا في الكورة ولا يتابعها، لكن الإخوة في نادي الهلال طلبوا مشاركته في الحفل ، لكنه وبسبب جهله بالكرة وشعارات الأندية فإنه قد ارتدى قميصاً أحمر اللون من باب (القشرة) وذهب للمشاركة ، حيث أشار له البعض بأنه قد (دقس) لأنه يشارك الهلال ليلته لكنه يرتدي الأحمر شعار المريخ، بسبب أن شعار الهلال هو الأزرق ، فاعتذر للجمهور عند صعوده للمسرح بسبب ارتدائه القميص الأحمر فضحك الجمهور ، وأحسنوا استقبال قصائده الوطنية الخالدة .

ذات مرة ذكر الاخ الأستاذ والشاعر الفلسفي المعروف “التجاني سعيد” وهو دفعتنا بجامعة القاهرة وهو صديق مقرب جداً من “شريف”، بأنه ذات مرة ذهبا لدعوة عشاء عند الأستاذ “محمد وردي” في منزله المستأجر بالعمارات الخرطوم، قبل استقراره لاحقاً في بيته الخاص بالكلاكلة صنقعت ، حيث كان “التجاني” قد سبق أن تغنى له “وردي” بتلك الخالدة (من غير ميعاد) مذ كان “التجاني” طالباً بالثانوية في العام 1968م، وسبب دعوة “وردي” لهما هو أن يسمعهما النشيد الجديد الذي سبق أن كتبه “محجوب شريف” بعد أن تغنى له “وردي” بنشيد (حارسنا وفارسنا) في العام 1969 مع بداية ثورة مايو، والنشيد الجديد هو (أنت يا مايو الخلاص).. فقال “شريف” ل”التجاني” دلوقتي بكده يكون “وردي” قد غنى لي اثنين وأنت واحدة بس ما زدتها، وعند العودة إلى أم درمان الثورة بعد تناولهم العشاء مع وردي ، طلب “محمد وردي” من ضيف آخر لم يفصح “وردي” عن اسمه أن يوصل الأستاذين “محجوب” و”التجاني” إلى المحطة الوسطى أم درمان ، وكان هذا الضيف يقود سيارة فلكسواجن ، وعند نزولهما في الوسطى أم درمان ، شكراه ، غير أن “محجوب شريف” سأل الرجل: اسم الكريم منو يا خونا؟ فرد عليه أنا “محمد إبراهيم نقد” وتحرك مسرعاً حيث وقف “محجوب شريف” مندهشاً لفترة عند سماعه للإجابة، ذلك أنه لم يكن يعرف وجه القيادات السياسية التي انتمى لها لاحقاً لكنه يعرف اسم نقد اللامع في دنيا السياسة السودانية
وافتح باباً ياما إنسدا
واشوف العالم ربوة جميلة
عليها نسيم الصبح مخدة
وبيني وبين النهر عشانك
عُشرة بتبدأ
وبين عيني .. خد الوردة بتبقى مودة
أصالح روحي … وتبرى جروحي
أهلل باسمك … أهلل أغني
وأقيف .. وأتحدا
بحبك …. أنا مجنونك
ساكن فيني هواك وبريدك
جوه القلب … النبض بصونك
من الطرائف التي يحكيها “محجوب الشريف” بعد خروجه من المعتقل إثر فشل حركة الرائد “هاشم العطا” في يوليو 1971م وعودة “نميري” تارة أخرى بتلك الهجمة الشرسة جداً على قوى اليسار من كافة الفئات ، حتى الطلاب ، تم بالطبع تم فصل“محجوب” من العمل كمعلم كبقية اليساريين العاملين في الدولة ، فافتتح الرجل دكاناً في الثورة ، وبدأ الزبائن يفدون إلى متجره ليبتاعوا منه ، برغم أن معظم البيع كان (بالجرورة) فقد أدخل “محجوب” حرفة بيع الفول في الدكان كشأن معظم البقالات ، غير أن رجال الأمن ظلوا يترصدونه بأن يأتوا في الليل البهيم ليأخذوا قدرة الفول بكاملها حين تترك خارج الدكان لزيادة اشتعال الفحم في الكانون حتى الصباح ليصبح الفول مستوياً.. يحكيها “محجوب” وهو يضحك لطرافة المعاكسات السياسية وسذاجتها وقتذاك .. فصبر “محجوب” على الأذى طويلاً ، وفي نهاية الأمر ذهب ذلك العهد بسرعة البرق وبقي “محجوب” وأشعار “محجوب” تسكن داخل وجدان أهل السودان.
كعادة “محجوب” فإنه كان لا يرغب في حضور بروفات أعماله الشعرية حيث يفضل الاستماع لها كباقي الجمهور من خلال الأجهزة ، حتى المسرح فإنه لا يرغب لسماع أغنياته منه . وهنا اتذكر جيدا ان الموسيقار المصري (رياض السنباطي) ملحن معظم اعمال كوكب الشرق (ام كلثوم) قد صرح ذات مرة بانه لا يذهب لحضور حفلات ام كلثوم الغنائية بل يرتاح بان يسمعها من اذاعة (صوت العرب) .
ذات مرة وقد كنا وقتها في النصف الأول من السبعينيات نعمل بمهنة التدريس بمدارس أم درمان ونواصل دراستنا الجامعية مساءً بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، وكان “محجوب شريف” وقتها قد تم فصله من مهنة التدريس التي امتهنها منذ تخرجه من معهد التربية (سنتين بعد إكمال المتوسطة) التي درسها بمدرسة المدينة عرب بالجزيرة غرب ود مدني ، فإنه قد دعاني ومعي زميل الطرفين الأستاذ المربي الراحل “سليمان هباش” لكي نذهب معه إلى دار اتحاد الفنانين بأم درمان بموقع الدار السابق ، الذي كان يجاور المسرح القومي ، وهو عبارة عن بيت من بيوت وزارة التربية الظليلة الأشجار ، وتجاور أيضاً سكن الأستاذ “عبد المجيد طلسم” وكيل وزارة التربية الأسبق ، وهو والد البلابل ، وسبب دعوة “شريف” لنا هو أن “وردي” قد طلب منه الحضور بالنادي للاستماع للبروفة النهائية لأغنيته التي كتبها ل”وردي” كأول عمل غنائي عاطفي بعد سلسلة الأناشيد الوطنية ، وقد كانت الأغنية هي (جميلة ومستحيلة) التي ظهرت للوجود متأخرة عن موعدها الاول ١٩٧٥م .. وتغني بها وردي في العام ١٩٧٨م تحديداً حتي ترسخ اغنيته الخالدة وهي رائعة “الدوش” والتي سبقت جميلة ومستحيلو بقليل سبقتها بعام واحد وهي (بناديها) وقد أحدثت (جميلة ومستحيلة) ضجة ضخمة جداً بسبب أن مفرداتها كانت فعلاً ذات لغة جديدة، وقد أضفى لها لحن “وردي” وموسيقاه بهاءً فوق بهاء المعاني..
إنت دايما زي سحابة
الريح تعجل بي رحيلها
اسمحيلا تشوف عيونك اسمحيلا
أنا لا الصبر قادر على ولا عندي حيلة
كان “محجوب شريف” وقبل ان يصاب بداء الرئة الذي أقعده عن الحركة الواسعة لعدة سنوات ماضية يحب جدا عمل الخير الميداني والتطبيقي، حيث أسس في الثورات البعيدة بام درمان مؤسسة أو منظمة (رد الجميل) التي كان يستقطب من أجلها العفش المتهالك الذي ترميه الأسر في أركان الحوش أو في المخزن ، فيشجعهم على التبرع به ليصنع من ذلك الأثاث بواسطة الصبية المشردين أثاثاً جديداً يمكن تسويقه ومساعدة هؤلاء الصبية والأطفال واسرهم النازحين بربع بيعه لسد حاجاتهم وحاجات أسرهم الحياتية ، وقد نذر نفسه لهذه الخدمة كما كان ناشطاً في تأسيس جمعية مرضى الفشل الكلوي للأطفال بطريقة لا تخطئها العين.
ظل “محجوب شريف” يلبي دعوة الجاليات السودانية في الدول العربية والأوروبية ، فيستغل الفعاليات ورحلات العلاج لجمع المزيد من الدعم لمنظمته الخيرية التي صنع بها المستحيل فوضع بصمته القوية في خارطة العمل الطوعي لسنوات طويلة وبلا إعلام مصاحب اوجلب دعم رسمي مكتفياً بمساهمات الخيرين داخل الوطن وخارجه .
وإننا حين نعيد ذكري الأستاذ “محجوب شريف”، ندعو الله تعالى بأن يتقبله القبول الحسن ، ذلك أنه هو الإنسان البسيط الذي لم نره يسبب أذى في حياته كلها لأحد ، ولم نعرفه مترفعاً ولا متعجرفاً ولا متعالياً كشأن العديد من المثقفاتية والسياسيين الذين يملأون الدنيا ضجيجاً وبلا طحين .
إننا حين نتذكرك يا “محجوب” يا “شريف” فإننا نظل نردد معك وبعدك :
تشق الدنيا ياما .. وتطلع من زحاما
زي بدر التمام
تدي النخلة طولا … والغابات طبولا
والأيام فصولا .. والبكري الغمام..

