( صينية الغداء )

:: قبل الثانية بربع الساعة، تنتهي الحصة الأخيرة.. ونخرج أفواجاً من المدرسة، ونلتقي في منتصف الطريق إلى البيت بشقيقاتنا اللائي خرجن أفواجاً من مدرستهن في ذات التوقيت..وندخل سوياً إلى بيوتنا، وبظل الجدار الذي شكل مستطيلاً بطول المنزل، تعرف ست الحبايب بأن أبنائها لم يتأخروا في هذا اليوم ، أي لم يلعبوا في الطريق أو يشغلهم شاغل عن موعد الوصول ..بظل الجدار فقط لاغير، كانت ست الحبايب تترقب موعد دخولنا إلى البيت..!!

:: ثم تنبهنا إلى وضع ملابس المدرسة بعد طيها – وأحذيتها – في مكانها، وأن نصلي الظهر، ثم نغلق باب الغرفة ونستلقي على أسٍرتنا لحين ( النداء).. ثم تدخل المطبخ، وتكون قد إطمأنت على صلاتنا وراحتنا .. فنشتم رائحة الطبيخ ونجوع، ونشتهي الأكل..ثم نسترق السمع بفارغ الصبر، لا أكل قبل وصول الوالد في موعده أيضاً.. ونعرف هذا الموعد بمساحة أخرى لذات الظل المستطيل أيضاً.. وبوصوله يصدر صخباً محبباً : ( الأولاد جو من المدرسة؟، صلوا؟، إرتاحوا شوية؟، يلا جهزي الغدا)، فترفع ست الحبايب تقريرها عن أبنائها..وتستلم منه البطيخ أو ( كيس الفواكه)..!!

:: وننتظر النداء، وكان النداء حبيباً إلى النفس، فينادي أحدهما : ( يلا يا أولاد الغداء )، فنتسابق في الخروج.. ونفرش البرش، وبجواره على المنضدة قوارير المياه، والإبريق والصابون في ذاك الظل بالحوش..ونجلس، فيأتي الوالد وننهض ونسلم عليه وكأن كان على سفر، ثم ننتظر وقوفاً لحين جلوسه، ثم نجلس بعده.. ( تعال شيل الصينية)، إنها ست الحبايب، أعدت طبق اليوم في الموعد أيضاً.. والموعد بذات الظل المستطيل أيضاً .. فيذهب أحدنا ويأتي بالصينية، وست الحبايب تحمل (ثيرموس الشاي).. ومع الأكل، يبدأ المنتدى العائلي ..!!

:: ( إدوكم شنو الليلة؟)، سؤال عام، ومن الأكبر سناً نبدأ في سرد جدول الحصص..فيقاطع أحدنا : ( شد حيلك شوية في الرياضيات دي، درجتك فيها ما كنت زي أخواتها)، ثم يقرب إلى أحدنا صحناً بعيداً، مع التنبيه : ( أكل من الرز ده، وأمبارح شايفك مساهر ولمبتك مولعة قريب للصباح)، فيرافع هذا : ( لا والله ما ساهرت، بس نمت وخليتها مولعة)، فتبتسم ست الحبايب، ولكنها لا تتستر على جريمة السهر : ( وكمان نسيت تقفل الردايو؟)، فنضحك ليعيد الوالد تحذيره : ( سهرات الإذاعة دي بعد الإمتحانات)، ويصبح التحذير قراراً.. !!

:: عادت صينية الغداء إلى المطبخ، لتخرج أطباق البطيخ، ولا يزال المنتدى العائلي يناقش (برنامج اليوم)..(أبوي الليلة عندي تمرين)، ( أبوي الليلة حفلة ناس حمزة، ولدهم بيقرأ معانا وعزمني)، ( أبوي ما تنسى انت وعدتني بهدية لو خليت البحر لحد الإجازة)، فتتدخل ست الحبايب بتنظيم النقاش و ترتيب المطالب، وتطرح الحلول الوسطى : ( امشي التمرين، ولو رجعت بعد المغرب ح يكون آخر تمرين ليك)، (انا ذاتي معزومة العرس، وتمشي وترجع معاي حجل بالرجل)، و.. والوالد يستمع، ويسأل، ويناقش، ويضحك ونضحك..وننهض، ويكون المنتدى العائلي قد ناقش تفاصيل (برنامج اليوم)..عندما غابت صينية الغداء ومنتداها العائلي، حلت محلها مواسم هجرة الأبناء والبنات إلى داعش بغير علم ( الأب و الأم)..!!
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. الله عليك يا الطاهر
    تفاصيل دقيقة يومية كانت لها اهميتها
    لاتنسى ان كل السودان باختلاف طبقاته كان يعيش بنفس المستوى (مجانية التعليم والعلاج)
    وقصتك الجميلة عاشها كل سودانى
    كل السودان كان يتغدى فى نفس المواعيد (عالم الرياضة)
    قبل البكور وجر الساعة ، الناس كان عندها الوقت الكافى لمواصلة الارحام
    وما ننسى التقارير وتربية الأسرة الكبيرة والمدرسة والجيران
    مش ناس ، ضارب ولدى ليه؟؟
    حتى نظرة الناس للتربية كانت مختلفة ، الآن اصبحت تنحصر فى ولدى بقى مهندس وبقى دكتور البقت هاملة مع الجامعات الكتيرة دى

    لم تتدمر مؤسسات الدولة فقط وانما انسانها

    ان شاء الله مايجى يوم ونتحسر على ما كنا عليه فى 2015

    والله يكضب الشينة

  2. البلاد انعدمت من صواني المرور يفضل فيها صواني غداء ولا عشاء ولا فطور الكل اصبح مجرور وكل واحد ياكل نارو والرسالة كانت واضحة منذ ازالة تلك الصواني المرورية المنظمة للحركة

  3. لا يا الطاهر ساتي حلت الغداء لم تغب عند الذين ذهبوا لداعش لانهم كلهم يدرسون في الجامعه على نفقتهم الدولاريه ويحملون جوازات سفر اجنبيه وبعضهم دبلوماسيه فهؤلاء لم تغب عنهم صينية الغداء لكن غابت عنهم التربيه اولا وثانيا حق صينية الغداء كان على حساب علاج وتعليم اخرين لذلك لا سلطان من الاب على الابناء وهو مشغول بجمع الفلوس واللهط وبأي اسلوب فماذا تتوقع من ابنائهم وبناتهم غير ان يجاهدوا بالنكاح اما الفقراء الذين يدرسون وبمشقه او الذين فاتهم قطار التعليم فهؤلاء مشغولون مع الدرداقات والرقشات طول اليوم ليوفروا لذويهم لقمة العيش الكريم.

  4. زيزي الاستاذ انا اتعهد قراءة ما تكتب لانك الاكثر فائدة في بحث القضايا لا يهم الاختلاف فهو فضيلة المناصحة ولكنك اليوم ابكيتني علي تلك الايام ووالدنا يتوسطنا في ظل الصالون ويطلعنا علي احدث ما قرا واعجبة وهو استاذ اللغة العربية فعلا صينية الغداء هي الاجتماع اليومي ولكنك عليك ان تسال جماعتك المتنطعه كيف تنقذ وطنا وانت تحطم البلد والمجتمع وهاهو الحصاد كما تري مع ان الذين الذين يحكمونا هم ابناء تلك المرحلة وتربيتها فلست لماذا فعلوا ما فعلوا بالوطن !!!!!!!!!!!!

  5. الدولة والتنظيم يؤيدان داعش فماذا تفعل الاسر ؟

    طالما انت شايف الفيل وتطعن في الحشائش، فاني اقترح على كل اسرة يدرس ابنها في جامعة حميدة ان توظف مرافقا يكون كالظل لابنها ويرفع تقريرا يوميا ساعة صينية العشاء

    قصرنا معاك؟؟؟

  6. جميل يا الطاهر ،، جميل ياخي ،، تداعي حميم ويشدنا شداً ،، كن هكذا دوماً متألقاً ياخي. رمضانك كريم.

  7. الدولة والتنظيم يؤيدان داعش فماذا تفعل الاسر ؟

    طالما انت شايف الفيل وتطعن في الحشائش، فاني اقترح على كل اسرة يدرس ابنها في جامعة حميدة ان توظف مرافقا يكون كالظل لابنها ويرفع تقريرا يوميا ساعة صينية العشاء

    قصرنا معاك؟؟؟

  8. جميل يا الطاهر ،، جميل ياخي ،، تداعي حميم ويشدنا شداً ،، كن هكذا دوماً متألقاً ياخي. رمضانك كريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..