إعدام مصلحة (النقل الميكانيكي) أهدر مليارات الدولارات في السيارات الخردة

تناولت في المقالات السابقة في تعقيبي على تصريح السيد وزير المالية الاتحادي والذي أعلن فيه تبنيه لمشروع الإصلاح الاقتصادي الأضرار التي أخلت بالاقتصاد السوداني فيما يتعلق ببدعة التحلل وما ترتب عليه من فوضى مالية اجتاحت المال العام ورفعت يد وزارة المالية كأهم مؤسسة حارسة للمال العام في حدود الميزانية العامة التي تصدر عن السلطة التشريعية والملزمة للسلطة التنفيذية وما صحبها من بدعة العقود الخاصة التي أفرزت طبقة من المسئولين مخالفة للوائح المالية التي أسستها الخدمة المدنية كما تناولت رفع يد إدارة المشتريات المركزية التابعة لوزارة المالية مما أدى لانفلات مالي خطير بعد أن أصبح كل مسئول يمارس سلطة المشتريات على طريقته ثم تعرضت أخيرا على ما ترتب على إعدام مصلحة المخازن والمهمات والحكم بالإعدام على الهيئة المسئولة عن سد كل احتياجات الدولة ومؤسساتها من معينات الخدمة المدنية بالاعتماد على الصناعة المحلية وسد أي عجز وفق ضوابط الخدمة المدنية ولائحتها الموحدة التي تحكم كل مؤسسات الدولة على قدم المساواة.

وفى هذه الحلقة أتوقف مع ثاني مؤسسة حكم عليها بالإعدام مما أدى لغياب الدور الذي كانت تلعبه حماية الاقتصاد الوطني وهى مصلحة الثقل الميكانيكي والتي كانت مسئولة عن كل السيارات والآليات للنقل التي ترد للسودان سواء على مستوى الدولة وعلى المستوى الخاص.

قد لا يصدق البعض إن إعدام هذه المؤسسة يمثل احد اخطر الممارسات التي أدت لإهدار مليارات الدولارات في استيراد سيارات واليات نقل تفتقد كل المواصفات والضوابط والرقابة لتضمن ما وجه لها من مصادر العملة الصعبة قوام الاقتصاد السوداني الذي يعتمد في المقام الأول على الاستخدام المرشد لهذه العملة المحدودة من الدولارات لان السودان لم يكن ولن يكون من الدول المصنعة والمنتجة للسيارات واليات النقل المختلفة وللوقوف على حجم الخطر وما يسببه عدم الانضباط في استيراد السيارات والآليات المختلفة لينظر كل من هو حادب وحريص على الوطن ليرى الكم الهائل من هذه الآليات والسيارات الخردة وفاقدة أهم المواصفات الفنية مع الاستهلاك غير المحدود لقطع الغيار واستهلاك البترول.

لقد كانت مسئولية النقل الميكانيكي على هذا القطاع الأهم في استغلال موارد الدولة من العملة الصعب قاصر على جانبين كلاهما في غاية الأهمية.

الأول منها إن مصلحة النقل الميكانيكي هي المسؤولة عن كل السيارات المملوكة للدولة وهى التي تتحكم في استخدامها والرقيبة عليها والتي تتولى صيانتها وتوفير قطع الغيار لها والثاني إن مصلحة النقل الميكانيكي هي السلطة التي تتحكم في أهلية أي سيارة أو آلية نقل وخلافة تدخل السودان على المستوى الخاص حتى تضمن توافقها مع مصلحة البلد العليا والاستغلال الأفضل لعملاتها الأجنبية المحدودة.

ولعله صدفة أن أجد نفسي في أول يوم وأنا اجلس على طاولة مكتب بوزارة التجارة والاقتصاد والتموين والتعاون والمسؤولون عن إصدار تراخيص الاستيراد لهذه الآليات والسيارات وفى ذلك اليوم كان أول درس تلقيته على المستوى الرسمي كان خاصا بمصلحة النقل الميكانيكي لهذا عايشت هذه المسئولية وأنا مساعد مفتش في قسم تراخيص استيراد السيارات والآليات.

يومها لم نكن نملك أي سلطة للتصديق باستيراد سيارات أو آليات مع إن الوزارة هي الجهة المختصة عن الاستيراد و ولكن كنا مجبرين وملزمين بإحالة أي شركة تريد أن تدخل سيارة أو آلية نقل للسودان أن نلزمها بشروط لابد أن تفي بها أهمها أن نسمح له بإدخال عينة منها وان تسلم لمصلحة النقل الميكانيكي حيث تتولى فحصها فنيا واقتصاديا لتقف على صلاحيتها الفنية وعمرها الافتراضي الذي يبرر ما يدفع سدادا لقيمتها وحجم استهلاكها للوقود حتى لا ترهق ميزانية الدولة في استيراد البترول ويستغرق النقل الميكانيكي في أداء هذه المهمة سنة كاملة على الأقل ليصدر بعد ذلك شهادة من أربعة كلمات يقول فيها( تصلح أو لا تصلح ) فان صدرت شهادته بعدم الأهلية والصلاحية نحظر دخولها السودان وان قرر النقل إنها تصلح فان هذا لا يعنى تلقائيا دخولها حيث نلزم الوكيل الذي يرغب في استيرادها وتسويقها في السودان أن يؤسس ورشة صيانة لهذه السيارات أو الآلية وثانيا أن يوفر قبل استيرادها حدا ادني من قطع الغيار لتكون جاهزة لصيانتها متى احتاجت ذلك وعندها فقط يصدر قرار السماح له باستيرادها ويكون الوكيل مسئولا أمام الوزارة إذا اخل بالصيانة وتوفير قطع الغيار وتسرى هذه السياسة التي يتولى أمرها النقل الميكانيكي حتى على سيارات الدولة ومؤسساتها.

( ولو كان لي ما أقوله هنا من باب الطرفة فلو إن النقل الميكانيكي لم يعدم لما شهد السودان هذا الكم الهائل من البصات تى الحكومية والهايسات والامجادات فاقدة الأهلية والصلاحية الفنية بسبب غياب الجهة التي تفحصها مما يعنى إهدار ما صرف عليها وكما كان يومها معروفا لدى عامة المواطنين اسم الشركة الوكيل لكل أنواع السيارات والآليات التي يشهدها المواطن في الطريق فمن لم يكنيعرف شركة برسميان وسيارات الهلمان وفيليب حجار وسيارات البيجو وشركة ابو العلا وسيارات المرسيدس وشركة السهم الذهبي والعربات اليابانية وغيرها من وكلاء السيارات المسئولين عنها أمام القانون كما انه كان من حق أي مالك لسيارة أو آلية نقل أن يشكو الوكيل للوزارة التي تخضعه للتحقيق إذا لم يتوفر له قطع الغيار والفني صاحب الخبرة لإصلاح العطل في السيارة,

لأن عدم توفر قطع الغيار الأصلية ومن المصدر المصنع وعدم توفر الفني المؤهل والمدرب يعنى في ظل القانون والنظام الاقتصادي إهدار لما تكلفته الدولة من عملة صعبة للسماح بدخول هذه الآلية للسودان وقد يترتب على ذلك حظر السيارة من الدخول للسودان مما يؤكد إن المسالة تشكل جزءا هاما من إستراتيجية الدولة في الاستغلال الأفضل لإمكاناتها المحدودة من العملة ولم يكن الخاسر في هذه الحالة صاحب السيارة التي يملك أن يقذف بها لدى تجار الحديد الخردة فالدولة هي الخاسر الأكبر منه لإهدار قدراتها الاقتصادية.

فهل لك عزيزي القارئ أن تحكم بنفسك على واقع الحال بعد أن أعدمت مصلحة النقل الميكانيكي.

أما الجانب الثاني والأكثر أهمية وخطورة فيتعلق بسيارات الحكومة وما أصابها من خلل بعد كتابة نهاية مصلحة النقل الميكانيكي وهذا ما أعود إليه في المقالة القادمة وكونوا معي في قمة الاستعداد للدهشة وما سترونه عجب.

زر الذهاب إلى الأعلى