في زمن الموبايل والنت..ما في حتى رسالة واحدة..!!

غنى العبقري الراحل الكاشف:
حبيبي أكتب لي وأنا أكتب ليك
وغنى أيضاً:
ليك رسالة.. لو روحك يوم تنسى دلالا
أو دعونا نتغنى بـ:
رسلت ليك أجمل خطاب
بهذه الكلمات كان يتم التواصل الوجداني بين الشاعر ومحبوبته، عبر رسائل وخطابات تحمل أحاسيس رعشة الأصابع، ودفقة الشعور التي تظهر على شكل السطور وتفوح قلقاً أو هياماً على مشارف الحب.
فالكتابة بصفة عامة هي فعل اهدار للدم الشخصي، فالكاتب -المحب- يضع نفسه في مشرحة القارئ (المحبوب/المحبوبة).
وكانت الرسائل الغرامية تبدأ بأن يرمي بها الحبيب في طريق حبيبته، وهي تحملها تدسها بين طيات ملابسها، وتقرأها وتتمعن فيها وتبدأ هي الأخرى بالكتابة في رسالة أخرى..
وهنا يبدأ الشاعر في الكتابة مجدداً، ليتحدث عن ما ورده من محبوبه:
الرسالة الحلوة ريدك ما بريدك
الخطاب النمقت كلماتو ايدك..
ولنرى مصطفى سيد أحمد أيضاً في أغنية أخرى وهو يرى أن الاطمئنان على المحبوب مبعثه فقط الرسائل وبدونها فإن امواج الشك والظن تتلاطم في قلب المحب:
لكن هل بقيت هذه الرسائل العفوية على حالها اليوم؟ أم ابتلعتها الـ«اس ام اس» وغرف الدردشة..؟
في الأسابيع الماضية قامت مؤسسة البريد والبرق السويسرية بمحاولة للتعرف على الوضعية الحالية للرسائل الورقية والالكترونية، واجرت استطلاعاً سرياً للآراء على مجموعة كبيرة، وكشف هذا الاستطلاع عن جملة من المعلومات (المخيفة).
فثلاثة أرباع الأشخاص المستطلعين الذين بامكانهم الوصول إلى البريد الالكتروني يعتقدون أن الرسالة التقليدية تتسم بطابع أكثر شخصية وجاذبية من الرسالة الالكترونية، وأوضح الاستطلاع أن غرف الدردشة قد أضفت المزيد من السطحية على التواصل بين البشر.
نعم.. سطحية في التواصل الانساني.. هذا ما أكدته نتيجة الاستطلاع، وتعالوا نقرأ مع الدوش حميمية التواصل حين يقول:
ح أكتب لي شجر مقطوع
مسادير..
خطابات لي طفل مجدوع
يقوم يجري.. يقع يبرك
رسالة لكل قمرية..
أو لنقرأ ما شدا به مصطفى سيد أحمد:
كتبت ليك لا بيني بينك
ريدة لا قصة غرام
كتبت ليك شان جيتي بالزمن المحنة
وشفت في عينيك حس أهلي القدام
ففي الرسائل الورقية يظهر التقدير الشخصي وتتبلور العلاقات في شكل أكثر انسانية، وتتضح خصوصية المرسل والمرسل اليه، أما الرسائل الالكترونية فقد أصبح الشخص يكتب نص الرسالة ويرسلها (باردة) إلى عشرة اشخاص دفعة واحدة.
هذا الجدال بين الرسائل التقليدية والالكترونية أفصحت عنه سجالات عديدة قال البعض عنها إن لكل وقت ظروفه، والظرف الحالي يختلف عن «أيام زمان» أيام تغنى الكابلي:
أكاد لا أصدق
فقد ألغت الوسائل الحديثة مكنون الرسائل التقليدية أو الكتابة على الشجرة أو المنديل، فالبعض يتصرفون بنظرية أن كل شيء يتطور ويتقدم فلماذا يبقى الحب فقط على حاله.
فوسائل الاتصال الحديثة غيرت هذه الأدوات في طريقة التواصل بين البشر، وغيرت أسلوب الرسائل التقليدية وصممت مفهوم الرسائل الالكترونية، لذا أصبح التراسل اليوم طاغياً على التحاور والمناقشات، وأصبح ايصال التعبير الشعوري مسألة تحتمل النجاح أو الفشل.
فالرسالة هي مخاطبة الغائب بلسان القلم أو نائب الغائب في قضاء الحوائج الوجدانية، ومع ان الرسائل الإلكترونية استمرت في الارتفاع إلا أن التعبير عن المشاعر ما زال يمر في أغلب الحالات عبر الرسالة التقليدية، وفي ذلك قامت احدى مؤسسات البريد العالمية بتوزيع أكثر من (5) مليارات رسالة تقليدية في العام الفائت!!
لذا لا نستغرب حين نسمع أحد الشباب يردد أغنية الراحل الجابري:
صحت موعدنا الرسائل
وين رسايلك وين كتاباتك إلىّ
فقد وصل الكثيرون إلى قناعة مفادها أن الكتابة السريعة وغير الرسمية المستعملة في وسائل الاعلام الإلكترونية الجديدة، تؤدي بالشخص إلى أن يصبح غير قادر على (بلورة) خطاب مفعم بالشعور، وطويل إلى حد ما..
أسهمت لوحة المفاتيح أو (الكي بورد) في موت الرسالة.. نعم أدت إلى وفاة (دفقة) الأصابع، ورقة الشعور.. والتوقيع بالدم على جانب الرسالة الأسفل، لذا فقدت الرسالة الالكترونية قيمتها الأدبية والانسانية.. وحميميتها في التواصل!!
وانتقلنا اثر ذلك لمربع:
رسل لي مسجاتك
أو:
الإس أم إس يا ناس
حبيبي بيَّا بحس يا ناس
نشأت الامام
الرأي العام



