مقالات وآراء

هؤلاء الاطفال

كل السودان يشكو من عدم توفر الخدمات الاجتماعية ولذلك نزح الكثيرون إلى الخرطوم بحثا عن أدنى حد لتلك الخدمات وخاصة التعليم على أمل أن يخلقوا مستقبلا أفضل لأبنائهم فى ظل وطن لا يعرفون إلى أين يتجه ، ولكن يبدو أن هذا الحلم لم يعد ممكنا حتى فى الخرطوم فقد أصبح التعليم أعز ما يبتغى فيها ، لا يمكن الحصول عليه إلا بشق الأنفس وتظل الأسر في حالة استنفار مستمر تعبر بأطفالها .. بعض يواصل الصمود والآخر ينكسر منذ بداية الطريق أو في منتصفه فيفقد الكثير من الأطفال فرص التعليم ، وهم في الخرطوم العاصمة .
ليس هناك تلميذ يترك المدرسة برغبته على الإطلاق ،إذ لابد من أسباب قاهرة ولا أظن أننا بحاجة إلى أن نعدد تلك الأسباب التى تنحصر في الفقر وتردي البيئة المدرسية وأسلوب التدريس ، فالمدرسة يجب ان تكون أحب مكان للطفل وعالمه الذي لا يتخلى عنه ، ويفترض أن تكون مهيأة بالقدر الذي يجعلها مصدر سعادته ، فالطفل لا يفهم ولا يرى سوى الأشياء التى تسعده وعندما تصبح المدرسة سبب تعاسته سيغادرها .. وهنا في السودان عندما يغادر الطفل المدرسة فليس هناك مكان يستوعبه غير الشارع ، حيث يجد نفسه في عالم غريب سرعان ما يتعود عليه حين يكتشف أنه ليس الوحيد ليبدأ مع الاخرين الرحلة إلى المجهول .
هذه الايام هناك ظاهرة لافتة للنظر إذ يلاحظ ان هناك أعدادا كبيرة من الاطفال خارج أسوار المدارس إما أنهم يعملون في مهن هامشية مختلفة داخل الأسواق وخارجها أو في المواصلات او انهم يتجولون فى الشوارع أو يكونون في أماكن ليست مناسبة معهم .. كل هذه البيئات تعتبر خطر على الاطفال ومليئة بكل الظواهر وستحرم الاطفال من أن يعيشوا حياة طبيعية تتناسب وأعمارهم وأحلامهم وعقولهم وتعرضهم للضياع وتعرض طفولتهم للانتهاك .

عمل الاطفال في أي مكان أمر يستحق الوقوف عنده طويلا ، وترك هؤلاء الأطفال لمقاعد الدراسة في هذا العمر أمر خطير ينذر بحدوث مصائب جسام فى المستقبل القريب و سيكون أبطالها هؤلاء الصغار وسيصبحون لعنة ونغمة على أنفسهم وعلى وطنهم ، وأيّا كان السبب وراء ضياعهم فالدولة هى المسؤولة الأول والأخير لأن المدارس المثالية المجانية هى المكان البديل والمناسب لهم ، وليست الأسواق المواصلات والشوارع .
الإنجازات الحقيقية لأي حكومة هى بناء المؤسسات التى تسهم فى استغلال المورد البشري والأطفال هم الشريحة المهمة التى ترفد البلد مستقبلا بما تحتاج من موارد بشرية ، والاهتمام بها ضرورة استراتيجية ملحة وليست رفاهية ، و أية أمة فسدت مدارس أطفالها فلن تبنى بلدا عظيما أبدا .
السودان اليوم بحاجة إلى إيقاف الفشل فى مجال التعليم العام بجميع أنواعه وإعادة النظر في كل سياسات الحكومة تجاهه و بحاجة إلى إعادة تأهيل المدارس ونقلها إلى مساحات أرحب وجعلها ملكا للدولة ، بحاجة إلى إعادة النظر في شروط مهنة المعلم ووضعها في قمة المهن .. بحاجة إلى مجانية التعليم .. بحاجة إلى النشاطات المصاحبة ورعاية الإبداع و إعادة العلاقة بين المدرسة والبيت فهي وحدها من ستحمي هؤلاء الأطفال .
التيار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..