وظيفة مراجع حسابات وكبري عبور

عندما أدرك الواد سيّد الشغال حقيقة كونه لم يكن إلا مغفلا كبيرا حين زوجته الأسرة الثرية التي إشتغل عندها خادماً إلى جانب خاله، ابنتهم الوحيدة المدللة بعد أن طلقها زوجها الديبلوماسي الرفيع طلاقاً بائناً لا عودة بعده للعلاقة الزوجية بينهما إلا إذا تزوجها غيره ودخل بها، حاول إستغلال هذه الفرصة والتكسب منها بأقصى ما يمكن أن يستحلبه من مال بعد أن طالبته الأسرة بتطليق ابنتها قبل أن يدخل بها، وكان كل ما يعرض عليه مبلغ مقابل التطليق يرفضه ويطالب بالمزيد، وحينما سئل عن سبب هذا الغلو والمغالاة في الثمن، قال بأنه سيؤدي وظيفتين (زوج وكبري)?
تذكرت هذا المشهد من مسرحية الواد سيّد الشغال فور فراغي من مطالعة خبر ( آخر لحظة ) أمس ، الذي يفيد بأن معتمد الخرطوم طرد المراجعين الداخليين بمحليته لرفضهم تمرير تصاديق بمبالغ مالية وأبلغهم استغناءه عن خدماتهم .. الراجح من سياق هذا الخبر أن رفض المراجعين تمرير واجازة تلك التصاديق المالية أنها مخالفة للوائح فلو لم تكن مخالفة لما استطاعوا اعتراضها ، وأن المعتمد حين قرر طردهم كان يريد تمريرها فوق جثة هذه اللوائح ، ولا بد لنا هنا من أن نزجي تحية كبيرة لهؤلاء المراجعين على نزاهتهم وحرصهم على صون المال العام وصرفه على النحو الصحيح وفي وجهته الصحيحة .. هذا الموقف المشرف من هؤلاء المراجعين يقابله نوع آخر من المراجعين والمحاسبين الفهلونجية المصلحيين الذين يتواطؤون مع قيادات المؤسسات التي يعملون بها بتمرير ألاعيبهم نظير حوافز مجزية، أي أن الواحد منهم على طريقة عادل إمام يؤدي مهمتين ( مراجع وكبري )، فهم أيضاً مثل الواد سيّد يستثمرون وضعيتهم التي لا تسمح بمرور الألاعيب إلا إذا فتحوا لها كبري ،ومثل هذه الممارسة الفاسدة تعد واحدة من أسباب انهيار الخدمة المدنية ،فحين تجد قلة المساندة من بعض المسؤولين في قمة السلطة للذين يقومون بتمرير أعمالهم عن طريقهم وذلك بتحفيزهم مادياً ووضعهم في غير مكانتهم الوظيفية ، بالتالي تصبح هناك بيئة صالحة لنشوء اللوبيات والتكتلات ضد أي شخص أو أشخاص يعملون حسب لوائح الخدمة والقوانين المالية وأن بعض المراجعين بالمراجعة الداخلية في بعض الوحدات والوزارات الحكومية أصبحوا أداة لتمرير تلك الأعمال لضمان تحفيزهم حسب تقاريرهم الشهرية ، وأن أي محاسب مهما كبرت أو صغرت وظيفته لا يسايرهم ويسير معهم في هذا الجو يتم تهميشه أو نقله ولا يجد الحماية ، وحينها لا تجد تقارير المراجعة الداخلية مكانا لها سوى كومة الاراشيف ، فإذا أردنا اصلاح الحال في هذا الجانب لابد من الاعتراف بهذه الظاهرة ومعالجتها من جذورها مع ابعاد أمثال هؤلاء من موقع اتخاذ القرار مع معالجة أوجه القصور أولا بأول ومحاسبة المقصرين في أدائهم ..
الصحافة


