«نحن أمام تحدي وجودي كدولة وكشعب» بين حالة الاستثناء وخطاب الإبادة في الواقع السوداني بين التشخيص والتهديد

برز في الخطاب السياسي والعسكري السوداني خلال الفترة الأخيرة مصطلح
«نحن أمام تحدي وجودي كدولة وكشعب»
بوصفه عبارة محورية تتكرر في خطابات القيادات العسكرية والسلطات الفعلية، ويُقدَّم في الظاهر على أنه توصيف موضوعي لأزمة وطنية شاملة.
غير أن التحليل الدقيق لسياق استخدام هذا المصطلح، والجهات التي ترفعه، والوقائع التي ترافقه على الأرض، يكشف بوضوح أن العبارة لم تعد توصيفًا تحليليًا محايدًا للواقع، بل تحوّلت إلى أداة خطابية تهديدية تُستخدم لتبرير تعليق السياسة، وتطبيع العنف، وإعادة تعريف الدولة خارج إطارها القانوني
«نحن أمام تحدي وجودي كدولة وكشعب» بوصفه عبارة مركزية تتكرر في تصريحات قيادات رسمية وغير رسمية،
الانصرافي يهدد كيكل بأنه خلاص بيوديه الي الله
أيضا حركات اتفاق جوبا
غير أن تفكيك السياق الذي يُستخدم فيه هذا المصطلح، وطبيعة الجهات التي تروّجه،
▪والممارسات التي تصاحبه، انظروا للمارسات
يكشف أن العبارة لم تعد توصيفًا تحليليًا محايدًا، بل تحوّلت في جوهرها إلى خطاب تهديدي مباشر.
ففي العلوم السياسية، يُعد مفهوم “التحدي الوجودي” توصيفًا استثنائيًا لا يُستدعى إلا في لحظات الخطر القصوى، ويترتب عليه عادة تعليق القواعد الطبيعية للحكم، وتبرير العنف، وإلغاء السياسة لصالح القوة.
وعندما يُطلق هذا المصطلح من قبل سلطة أو قيادة عسكرية سبق لها أن شرعنت السلاح خارج إطار الدولة، أو أقامت شراكات موازية مع قوى متمردة ومرتزقة، فإن المعنى ينزلق تلقائيًا من قراءة للواقع إلى إعلان حالة استثناء دائمة.
الخطير في هذا الاستخدام أنه لا يحدّد
▪بوضوح طبيعة التهديد،
▪ولا يميّز بين الدولة ككيان قانوني
▪والشعب كجماعة بشرية،
بل يدمجهما في ثنائية غامضة تُختزل في معادلة واحدة:
▪إما اسلطة اللادولة القائمة ومنطقها،
▪أو الفناء.
وبهذا المعنى، يصبح المصطلح أداة لنزع شرعية الوجود نفسه عن أي صوت مختلف،
وتجريم الحكمة،
▪وتطبيع الموت بوصفه ضرورة وطنية. وكرامة ومنطقها المخطر
وبناءً على سياق الخطاب والممارسات المصاحبة له، فإن القراءة المرجّحة لهذا المصطلح ليست أنه توصيف موضوعي لأزمة وطنية، بل
▪خطاب تهديدي يُستخدم لتبرير العنف، وتهيئة المجتمع نفسيًا لفكرة الإبادة السياسية أو الاجتماعية تحت شعار البقاء.
وهنا يتحول “التحدي الوجودي” من تحذير يستدعي التكاتف الوطني، إلى سلاح لغوي يُستخدم لإخضاع الشعب وتقويض فكرة الدولة نفسها.
في الفكر السياسي الحديث، يرتبط مفهوم “التحدي الوجودي” ارتباطًا مباشرًا بما عرّفه الفيلسوف والمنظّر القانوني الألماني كارل شميت بـ «حالة الاستثناء».
فشميت يرى أن السيادة لا تتجلى في تطبيق القانون، بل في القدرة على تعليقه، ويعرّف السيّد بأنه “من يقرر حالة الاستثناء”.
وفي لحظة الاستثناء، تُعطَّل القواعد الدستورية، وتُختزل الدولة في إرادة القوة، ويُعاد تعريف العدو لا بوصفه خصمًا سياسيًا، بل بوصفه تهديدًا وجوديًا يجب القضاء عليه.
عند إسقاط هذا الإطار النظري على الخطاب السوداني الراهن، يتضح أن عبارة
«نحن أمام تحدي وجودي»
لا تُستخدم بوصفها توصيفًا لأزمة قابلة للحل السياسي، بل كإعلان غير مباشر لحالة استثناء مفتوحة، تُبرَّر فيها كل الانتهاكات باسم البقاء.
فبدل أن يكون “التحدي”
حافزًا لاستعادة الدولة المدنية واحتكارها المشروع للعنف،
جرى توظيفه لتبرير شرعنة السلاح خارج الدولة،
وإقامة شراكات موازية مع قوى متمردة ومرتزقة،
ثم الانقلاب على هذه الشراكات حين اختلت موازين القوة.
فالوقائع تشير بوضوح إلى أن المؤسسة العسكرية
بقيادة عبد الفتاح البرهان
لم تتعامل مع مليشيا الدعم السريع بوصفها خطرًا وجوديًا منذ نشأتها، بل ساهمت في تمكينها وتسليحها ودمجها سياسيًا وأمنيًا خارج أي إطار دستوري، منذ ما قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021.
بل إن هذه المليشيا، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مُنحت
▪موقع الشريك الموازي للدولة والجيش، والموارد
▪لا بوصفها قوة منضبطة داخل مؤسسات الدولة،
▪ وإنما ككيان مستقل يمتلك سلاحه وقراره واقتصاده.
📍وعندما انفجرت الحرب في 15 أبريل 2023،
أعيد إنتاج الخطاب،
▪ولكن بصورة أشد خطورة:
فبدل الاعتراف بالمسؤولية السياسية والقانونية عن تفكيك الدولة وشرعنة المليشيا، جرى استدعاء مصطلح
«التحدي الوجودي»
لتوصيف الصراع، لا باعتباره نتيجة خيارات كارثية اتخذتها القيادة العسكرية،
▪ وإنما باعتباره معركة بقاء مطلقة لا مكان فيها للحكمة أو السياسة أو المساءلة.
وهنا يتحقق نموذج شميت حرفيًا:
تحويل الأزمة إلى حالة استثناء دائمة،
يصبح فيها
▪القتل مقبولًا،
▪والدم وسيلة،
▪والاعتراض خيانة.
🔥الأخطر في هذا الخطاب أنه لا يميّز بين الدولة بوصفها كيانًا قانونيًا والشعب بوصفه مصدر الشرعية، بل يدمجهما في معادلة غامضة تُستخدم لإنتاج ثنائية قاتلة:
إما “نحن” كما نعرّف أنفسنا، أو العدم.
وبهذا المعنى،
▪ لا يعود “الشعب” هو مجموع المواطنين،
▪ بل يتحول إلى كتلة مشروطة بالولاء، يُستثنى منها المعارضون، المدنيون، دعاة الحل السياسي، بل وحتى الضحايا أنفسهم.
وهنا تتجلى خطورة الاستخدام السلطوي لتنظيم الحركة الاسلامية أو ترق كل الدماء
لمفهوم “التحدي الوجودي”:
فهو
▪ لا يهدف إلى حماية الدولة،
▪ بل إلى حماية سلطة الأمر الواقع؛
▪ ولا يسعى إلى إنقاذ الشعب،
▪ بل إلى إخضاعه نفسيًا وأخلاقيًا لقبول الإبادة والتدمير بوصفهما ثمنًا طبيعيًا للبقاء.
ووفق هذا المنطق، تُدمَّر المدن، ويُهجَّر الملايين، وتُرتكب الجرائم الواسعة، ثم
▪ يُقال للشعب إن هذا كله ضرورة وجودية.
وبناءً على ذلك، فإن القراءة المرجّحة لعبارة
«نحن أمام تحدي وجودي كدولة وكشعب»
في السياق السوداني الراهن ليست قراءة توصيفية بريئة، بل قراءة تهديدية صريحة، تنتمي إلى خطاب حالة الاستثناء كما صاغه كارل شميت، وتُستخدم لتبرير تعليق القانون، وتصفية السياسة والشعب ، وإعادة إنتاج العنف بوصفه قدرًا لا مفر منه.
وبهذا، لا تصبح العبارة تحذيرًا من انهيار الدولة، بل دليلًا إضافيًا على تفكيكها المتعمد باسم حمايتها
🔥دعوة العودة أمدرمان والخرطوم
الفراغ البشري كشرط للحكم: حين يصبح الخراب وسيلة للسيطرة
ويبلغ هذا الخطاب ذروة خطله وجنونه حين يُقارن بين الواقع المادي المدمَّر وبين اللغة التي تُطالِب الناس بالامتثال له.
فبعد أن تحوّلت الخرطوم وأم درمان — حقًا وحقيقة — إلى مدن خراب وأشباح، مدمَّرة البنية، منزوعة الخدمات، محفوفة بالموت، خالية من شروط الحياة الإنسانية الدنيا، يخرج ذات الخطاب الذي بشّر بـ«التحدي الوجودي» ليطالب المواطنين بالعودة إليها، لا بوصفها فضاءً صالحًا للحياة، بل بوصفها حيّزًا فارغًا يحتاج إلى بشر يُحكَمون.
هذه الدعوة لا تنبع من حرص على الإنسان، ولا من مشروع لإعادة الإعمار أو استعادة الدولة، بل تكشف — بوضوح فاضح — أن السلطة، بعد أن دمّرت المكان، اكتشفت فجأة أنها لا تستطيع الحكم بلا أجساد.
فالدولة التي علّقت القانون باسم الاستثناء، وشرعنت العنف باسم الوجود، تجد نفسها الآن أمام فراغ بشري يفضح حقيقتها:
لا سيادة بلا محكومين، ولا سلطة بلا سكان.
هنا تنقلب مقولة “التحدي الوجودي” على أصحابها.
فالخطر لم يعد وجوديًا على الدولة، بل وجوديًا على السلطة ذاتها.
ليست المشكلة أن المدن خربت، بل أن الناس غادروا؛
ليس القلق من انهيار العمران، بل من انهيار علاقة الحكم نفسها.
ولذلك يُستدعى الإعلام، ويُستدعى الخطاب العاطفي، ويُمارس ضغط أخلاقي زائف على النازحين واللاجئين، وكأن العودة إلى الخراب واجب وطني، لا مقامرة بالحياة.
في هذا السياق، تصبح دعوة العودة استمرارًا لحالة الاستثناء نفسها، لا خروجًا منها.
فالإنسان لا يُستدعى بوصفه مواطنًا صاحب حقوق، بل بوصفه موردًا سياسيًا؛
رقمًا يعيد ملء الفراغ، وشاهدًا يُستخدم لإيهام العالم بوجود دولة قائمة.
وهكذا يُطلب من الضحية أن تعود إلى مسرح الجريمة، لا لتُحْمَى، بل لتُستَخدم.
وبهذا المعنى، فإن الخطاب الذي بدأ بـ
«نحن أمام تحدي وجودي كدولة وكشعب»
ينتهي إلى أكثر صوره انكشافًا:
دولة بلا مدن،
بلا شعب
وسلطة بلا عقد اجتماعي،
وحكم يبحث عن بشر بعد أن دمّر شروط بقائهم.
وهذا ليس تعبيرًا عن حرص على الوجود، بل دليل إضافي على أن حالة الاستثناء، حين تُطلَق بلا ضوابط، لا تحمي الدولة، بل تُنتج فراغًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يُملأ إلا بمزيد من القسر والعبث.
إذا رغبت، يمكنني الاستمرار بنفس الدقة الحرفية لأي نص لاحق.



