مقالات وآراء

المثقف عارياً ..!

«الثقافة هي صرخة البشر في وجه مصيرهم» ..
ألبير كامو ..!
انشغل الرأي العام السعودي – قبل فترة – بقضية اجتماعية صدر فيها حكم قضائي بوجوب التفريق بين زوجين لعدم الكفاءة في النسب، حينها استوقفتني كثيراً آراء بعض الكتاب والسياسيين والمثقفين الذين تحدثوا عن ضرورة تثقيف الناس بشأنالتحقق من كفاءة النسب قبل الزواج،وأسهبوا في التنديد بغياب دور المؤسسات الدينية والتربوية في تنوير المجتمع قبل أن يتورط البعض في ذات المصير .. دونما أي إشارة إلى ملامح السِّعة في الجدل الفقهي المثار حول الحكم القضائي نفسه ..!
وقتها توقعت من بعضهم – على الأقل – أن يجتهدوا في إثارة الأسئلة المشروعة المتوقعة حول نهج اجتماعي متعسف يقضي بتمزيق الأسر المطمئنة بحجة عدم كفاءة النسب،لكنهم صمتوا جميعاً مجاراةً لسطوة العرف، وهو نهج فكري شائع عند المثقف العربي عموماً، حينما يجد نفسه محشوراً بين سطوة العرف وسلطة التقاليد ..!
على أن المسألة ليست محصورة في المجتمعات العربية الخالصة كمجتمع السعودية، بل تمتد المفكرة لتشمل الأعراق والانتماءات المتباينة داخل حدود السودان نفسه .. ومن طرائفنا المحلية في هذا الشأن أن السياسي الراحل محمد إبراهيم نقد، زعيم الحزب الشيوعي ومؤلف كتاب «علاقات الرق في المجتمع السوداني»، قال ذات حوارإنه يرضخ ـ أيضاً ـ لسطوة العرف في هذا الشأن، وحينما سئل – رحمه الله -عن مسألةالعنصرية في الزواج السوداني، قال «لو جاءنا خاطب لإحدى بناتنا سنسأل عن أمه وأبيه ونمشي إلى حبوبته أيضاً»..!
أذكر أن الروائي والقاص السعودي الفذ يوسف المحيميد حدثني جيداً عن دوركتاب «علاقات الرق في المجتمع السوداني» في الإعدادلروايته (فخاخ الرائحة)ذائعةالصيت، والتي نبشت مسألة الإستعلاء العرقي في السعودية، وكيف أن الصور الوثائق الملحقة بالكتاب قد أدخلته تماماً في عالم الجلاّبة .. وبيوت القطاطي .. وأسماء الرقيق .. وصفاتهم .. وأوضاعهم المزرية .. وطريقة تقييمهم عند البيع .. وطرق استيرادهم وتصديرهم إلى الجزيرة العربية، حيث مسرح روايته التي جاء أحد أبطالها من السودان ..!
ورغم ذلك يعترف مؤلف الكتاب نفسه بأنه يعيش هزيمة المثقف أمام سطوة العرف في شأن الزواج،فيتخلى عن أفكاره الإصلاحية ورؤيته العادلة للذات الإنسانية على إطلاقها، ثم يمشي طائعاً مختاراً إلى جذر الجد وأصل»الحبوبة» إذا لزم الأمر ..!
خلاصة القول أن الثقافة في معناها هي حزمة من العقائد والمعارف والفنون والأخلاق والقوانين والعادات، والريادة في مبناها هي أن التشريع للآخرين من خلال الشجاعة في تبني المواقف والخيارات .. وأن المثقف يعتنق ويَشرَح، بينما الرائد يفعل ويُشرِّع ..!
وما يزال باب النسب والمصاهرة في السودان هو المدخل الوجودي الوحيد الذي يعبر منه المثقف عارياً عن فكره، متجرداً عن ثقافته.. وهذا – بكل أسف – هو جوهر الفرق بين الثقافة والريادة ..!
اخر لحظة

تعليق واحد

  1. اقتباس :
    ((وما يزال باب النسب والمصاهرة في السودان هو المدخل الوجودي الوحيد الذي يعبر منه المثقف عارياً عن فكره، متجرداً عن ثقافته.. وهذا – بكل أسف – هو جوهر الفرق بين الثقافة والريادة..!))؟؟؟!!!

    الكاتبة تستحق جائزة على هذا الاكتشاف الخطير (الفرق بين الثقافة والريادة)؟!!!

    اقتباس :
    ((أذكر أن الروائي والقاص السعودي الفذ يوسف المحيميد حدثني جيداً عن دور كتاب «علاقات الرق في المجتمع السوداني»))

    عرفنا انك نلت شرف عظيم حين حدثك الكاتب السعودي الفذ ولكن ماذا تقصدين بـ (حدثني جيدا)؟!!! ( عقدة الدونية )

    الاخطاء :
    بشأنالتحقق
    السِّعة (الصواب السَّعة بفتح السين)
    حوارإنه يرضخ ـ أيضاً ـ ؟!!
    الإعدادلروايته
    الإستعلاء ( تحذف الهمزة )
    الصور الوثائق ؟؟
    الزواج،فيتخلى

  2. ” وما يزال باب النسب والمصاهرة في السودان هو المدخل الوجودي الوحيد الذي يعبر منه المثقف عارياً عن فكره ”

    الاخت الاستاذة منى شكراً على المقال و على الفقرة الاخيرة أعلاها.

    لست مثقفاً و ليس لي ما يؤهلني لمنقاشة الموضوع او التعليق على ما ذهبت إليه في المقال بل فقط أن المقال قد ذكرني بموضوع مهم ظل يعرقني منذ فترة و لم أجد له أي إجابة شافية غير أنني في بعض الأحيان أجد معجزة (الأمية) لنبينا عليه أفضل الصلاة و السلام مسكناً نسبي لتساؤلاتي فاترك الحبل على القارب دون الخوض أكثر في التحليل لفك الشفرة.

    الموضوع هو المثل السوداني آلا و هو .. ” القلم ما بزيل البلم”

    و بما أن المثل قد ورد من صلب الثقافة التي نشأت فيها فجعلني أحياناأحتار كثيراً مع نفسي عند تزامن مراحل النمو في النقد الذاتي و الأية الكريم التي ذكر فيها القلم كوسيلة تواصل بين النفس والنفس والنفس و الذات الإلهية (” الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ” (سورة العلق(4)))، و أحياناً أتوقف مع أمثلة حية كهذا الذي ورد في المقال و أيضاً ما ذهب إليه كثيراً من الفلاسفة و النقاد عن ( ethics and morality ).

    علماً أن الأية (“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات(13)) هي معيار للتقوى و مع ذلك نجد قليلاً منا من يعمل بها و كثيراً ما يدعى الإيمان و يدعم ما جاء في المقال و المثل السوداني ” القلم ما بزيل البلم”، ليس ذلك في الحياة الزوجية فحسب بل في حق الحياة و العيش الكريم.

    نأمل منك لو تكرمت أو من القاري الكريم إفادتنا بالتعليق هنا أو بمقال منفصل للفائدة العامة.

    اللهم طهر قلوبنا و أجعلنا من المؤمنين

  3. مقال ممتاز جدا لانه لمس بعض الجوانب المظلمة في ثقافتنا المعاصرة او ان صح التعبير لمس قضية تعود الى تخلفنا الثقافي الحالي ..فهناك عوامل كثيرة تتداخل فيما بينها لتشكل قضية الزواج ومن اهم هذه العوامل عامل الهوية بالنسبة للسودانيين فهم يرون ان الهوية كمرجع يستند الى العرق والجنس فالشمالي يرى ان الزواج من الجنوبيين شئ من الدونية والجنوبي يرى الزواج من الشمالي فيه نوع من التحقير لاصله فالمشكلة ترجع للفهم الخاطا لمفهوم الهوية في السودان المتعدد الثقافات والاعراق والاتجاه المعاصر لمفوهم الهوية يحدد المرجعية في ذلك الى المواطنة اي الى الانتساب الى الوطن السودان دون غيرها من المرجعيات القبلية والعقائدية فاذا نجح السودانيون في غرس المعنى المعاصر للهوية والمبني على المواطنة في ثقافة المجتمع يكونوا قد خطوة خطوة كبيرة في مسألة الزواج والتكافؤ بين الزوجين ومن العوامل الاخرى التي تشكل وتؤثر في موضوع التكافؤ الوزجي عامل الاقتصادي فالسودان كما هو يمر بمرحلة التخلف الثقافي فهو ايضا يمر بمرحلة التخلف الاقتصادي مما يجعل هناك تباين واضح بين طبقات المجتمع او هو عامل يؤدي الى خلق طبقات متفاوة اقتصادين في المجتمع الواحد ويجعل احد المعاير المرجعيى في قضية التكافؤ الزوجي المعيار المادي هو اتجاه ظهر نتيجة للتخلف الاقتصادي وزواله يتم بالتوجه نحو التنمية الاقتصادية حتى يتقارب الجميع في مقدراتهم المادية ويصبح المرجع الاقتصادي حين ذاك غير مهم في عملية الارتباط ..كل ذلك يدعو الى دور المثقف السوداني او العربي الى لعب الدور المنوط به في إثراء الثقافة السودانية بالمفاهيم المعاصرة و التنوير بعصر الانسان وحقوقه الانسانية .خلاصة القول ان العامل الثقافي في النظرة لهوية الانسان والعامل الاقتصاد في النظرة له هم مربط الفرس في حل اشكالة التكافؤ عند الارتباط فالتحرر من العنصرية والتحرر من الفقر هم سيقودا الجميع الى خلق روابط وزيجات ناجحة ..واخيرا اشكرك عزيزتي الكاتبة الرائعة على تطرقك االى هذالموضوع الحيوي والهام.

  4. هذا هائل …
    -أحيانا تكتبين كلاما رفيعا.وأحيانا دُون ذلك.
    وها هنا أحسنتي أحسن الله إليك

  5. اقتباس :
    ((وما يزال باب النسب والمصاهرة في السودان هو المدخل الوجودي الوحيد الذي يعبر منه المثقف عارياً عن فكره، متجرداً عن ثقافته.. وهذا – بكل أسف – هو جوهر الفرق بين الثقافة والريادة..!))؟؟؟!!!

    الكاتبة تستحق جائزة على هذا الاكتشاف الخطير (الفرق بين الثقافة والريادة)؟!!!

    اقتباس :
    ((أذكر أن الروائي والقاص السعودي الفذ يوسف المحيميد حدثني جيداً عن دور كتاب «علاقات الرق في المجتمع السوداني»))

    عرفنا انك نلت شرف عظيم حين حدثك الكاتب السعودي الفذ ولكن ماذا تقصدين بـ (حدثني جيدا)؟!!! ( عقدة الدونية )

    الاخطاء :
    بشأنالتحقق
    السِّعة (الصواب السَّعة بفتح السين)
    حوارإنه يرضخ ـ أيضاً ـ ؟!!
    الإعدادلروايته
    الإستعلاء ( تحذف الهمزة )
    الصور الوثائق ؟؟
    الزواج،فيتخلى

  6. ” وما يزال باب النسب والمصاهرة في السودان هو المدخل الوجودي الوحيد الذي يعبر منه المثقف عارياً عن فكره ”

    الاخت الاستاذة منى شكراً على المقال و على الفقرة الاخيرة أعلاها.

    لست مثقفاً و ليس لي ما يؤهلني لمنقاشة الموضوع او التعليق على ما ذهبت إليه في المقال بل فقط أن المقال قد ذكرني بموضوع مهم ظل يعرقني منذ فترة و لم أجد له أي إجابة شافية غير أنني في بعض الأحيان أجد معجزة (الأمية) لنبينا عليه أفضل الصلاة و السلام مسكناً نسبي لتساؤلاتي فاترك الحبل على القارب دون الخوض أكثر في التحليل لفك الشفرة.

    الموضوع هو المثل السوداني آلا و هو .. ” القلم ما بزيل البلم”

    و بما أن المثل قد ورد من صلب الثقافة التي نشأت فيها فجعلني أحياناأحتار كثيراً مع نفسي عند تزامن مراحل النمو في النقد الذاتي و الأية الكريم التي ذكر فيها القلم كوسيلة تواصل بين النفس والنفس والنفس و الذات الإلهية (” الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ” (سورة العلق(4)))، و أحياناً أتوقف مع أمثلة حية كهذا الذي ورد في المقال و أيضاً ما ذهب إليه كثيراً من الفلاسفة و النقاد عن ( ethics and morality ).

    علماً أن الأية (“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات(13)) هي معيار للتقوى و مع ذلك نجد قليلاً منا من يعمل بها و كثيراً ما يدعى الإيمان و يدعم ما جاء في المقال و المثل السوداني ” القلم ما بزيل البلم”، ليس ذلك في الحياة الزوجية فحسب بل في حق الحياة و العيش الكريم.

    نأمل منك لو تكرمت أو من القاري الكريم إفادتنا بالتعليق هنا أو بمقال منفصل للفائدة العامة.

    اللهم طهر قلوبنا و أجعلنا من المؤمنين

  7. مقال ممتاز جدا لانه لمس بعض الجوانب المظلمة في ثقافتنا المعاصرة او ان صح التعبير لمس قضية تعود الى تخلفنا الثقافي الحالي ..فهناك عوامل كثيرة تتداخل فيما بينها لتشكل قضية الزواج ومن اهم هذه العوامل عامل الهوية بالنسبة للسودانيين فهم يرون ان الهوية كمرجع يستند الى العرق والجنس فالشمالي يرى ان الزواج من الجنوبيين شئ من الدونية والجنوبي يرى الزواج من الشمالي فيه نوع من التحقير لاصله فالمشكلة ترجع للفهم الخاطا لمفهوم الهوية في السودان المتعدد الثقافات والاعراق والاتجاه المعاصر لمفوهم الهوية يحدد المرجعية في ذلك الى المواطنة اي الى الانتساب الى الوطن السودان دون غيرها من المرجعيات القبلية والعقائدية فاذا نجح السودانيون في غرس المعنى المعاصر للهوية والمبني على المواطنة في ثقافة المجتمع يكونوا قد خطوة خطوة كبيرة في مسألة الزواج والتكافؤ بين الزوجين ومن العوامل الاخرى التي تشكل وتؤثر في موضوع التكافؤ الوزجي عامل الاقتصادي فالسودان كما هو يمر بمرحلة التخلف الثقافي فهو ايضا يمر بمرحلة التخلف الاقتصادي مما يجعل هناك تباين واضح بين طبقات المجتمع او هو عامل يؤدي الى خلق طبقات متفاوة اقتصادين في المجتمع الواحد ويجعل احد المعاير المرجعيى في قضية التكافؤ الزوجي المعيار المادي هو اتجاه ظهر نتيجة للتخلف الاقتصادي وزواله يتم بالتوجه نحو التنمية الاقتصادية حتى يتقارب الجميع في مقدراتهم المادية ويصبح المرجع الاقتصادي حين ذاك غير مهم في عملية الارتباط ..كل ذلك يدعو الى دور المثقف السوداني او العربي الى لعب الدور المنوط به في إثراء الثقافة السودانية بالمفاهيم المعاصرة و التنوير بعصر الانسان وحقوقه الانسانية .خلاصة القول ان العامل الثقافي في النظرة لهوية الانسان والعامل الاقتصاد في النظرة له هم مربط الفرس في حل اشكالة التكافؤ عند الارتباط فالتحرر من العنصرية والتحرر من الفقر هم سيقودا الجميع الى خلق روابط وزيجات ناجحة ..واخيرا اشكرك عزيزتي الكاتبة الرائعة على تطرقك االى هذالموضوع الحيوي والهام.

  8. هذا هائل …
    -أحيانا تكتبين كلاما رفيعا.وأحيانا دُون ذلك.
    وها هنا أحسنتي أحسن الله إليك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..