صمد الساقية وموت الأغاني (1)

٭ من أقسى الأشياء على النفس أن يحس المرء بأن الزمن يسير ببطء أو يقف.. السعيد يريد له أن يمضي نحو مزيد من سعادة يتوقعها قادمة والشقي يريد له أن يمضي نحو أمل يزيل ساعات أو أيام أو أعوام الشقاء.. المهم وقوف الزمن على حالة واحدة يسبب الملل ويقتل الأمل.. هذا بالنسبة للفرد.
٭ طافت بذهني هذه الخاطرة وأنا أهم بكتابة هذا العمود.. وأنا أردد ان كان الشعور بالملل يقلق الفرد.. فكيف يفعل بالأمم والشعوب.
٭ فمن أرشيفي أقلب فيه.. حددت سبعة عشر عاماً إلى الوراء.. وقفت بالتحديد عند يوم 23/3/2003م ونظرت إلى «صدى» بحثاً عن أحداث تلك الأيام وعلاقتها مع الزمن.
٭ قرائي الأعزاء من باب حق الزمن على المضي ادعوكم لتقليب جوانب من حياتنا السياسية حاولت أن أعبر عنها في سلسلة أعمدة بدأتها يوم 23/2003م تحت عنوان (صمد الساقية وموت الأغاني) كتبت فيها الآتي:
٭ كلنا سمع بساقية جحا التي تشيل من البحر وتكب في البحر أو بالأصح تشيل من النهر وتكب في النهر لأن أهلنا في السودان يسمون النهر بالبحر ولما كانت مياه البحر أصلاً لا تصلح للزراعة.. فالمثل يفقد صورة المقارنة الواضحة.. والأرض التي وضع فيها المزارع بذوره تغير اتجاهاً إلى النهر نفسه ويسكب القادوس المياه التي حملها من النهر إلي النهر ثانية ويزداد رهق التور.. تور الساقية ويكاد المثل يصل مداه ويكف الصمد عن ترديد أغاني الدوبيت ولا يسمع الناس كلماته:
الدنيا بتهينك والزمان بوريك
وقل المال بفرقك من بنات واديك
الجنس الفسل ما تجعلو دخريك
وقعدة براك أخير من لمة المابيك
٭ هذه الصورة فرضت نفسها على مقدمة ذهني وأنا أتابع ما يدور في الساحة السياسية.. قبل يومين كتبت عن المصطلحات التي فقدت سمعتها.. مصطلحات الوفاق والحوار والديمقراطية وقلت ان رفعت قضية باشانة السمعة ضد أهل السياسة في السودان لكسبتها بلا أدنى شك.
٭ ذلك لأن الذي يمارسه البعض باسم السياسة وباسم الشعب وباسم المصلحة العامة يجعل الرأس تدور هولاً.
٭ قبل عشر سنوات جاء انقلاب الانقاذ باسم القوات المسلحة من أجل انقاذ الشعب السوداني من فوضى الأحزاب ومن الجوع والمرض والفقر.. واتضح أنه دورة من دورات قادوس ساقية جحا الذي يشيل من البحر ويكب في البحر.. وما كان الانقلاب سوى ردة فعل من حزب الجبهة القومية الاسلامية ضد فعايل الحزبين الكبيرين ضدها ورأت أن تنفرد بالحكم وطوال السنوات الماضية ظلت الساقية تدور دورانها الفارغ والجماهير تذوق ألواناً من المر والعذاب.
٭ وخرج مبارك الفاضل المهدي وكون التجمع المعارض ويومها دار حديث طويل حول الكيفية التي خرج بها من السودان. واختفى الصادق المهدي إلى أن قبض عليه بالطريقة التي نعرفها كلها وبقى بقية القادة بمن فيهم د. الترابي في سجن كوبر وكان الناس يرددون قولة محمد ابراهيم نقد والدكتور الترابي «بأنك جاملتنا بما فيه الكفاية».
٭ المهم توالت الأحداث عاصفة وكبرت جبهة التجمع الوطني المعارض في أسمرا ولندن والقاهرة وأعملت الجبهة القومية الاسلامية سياستها بالشكل الذي أرادته.. ومارس التجمع عمله بالشكل الذي أراده وظلت جماهير الشعب السوداني على حيرتها تتابع الذي يدور في الداخل والخارج إلى أن أفاقت يوماً على بيان يقول ان الصادق المهدي الذي شاهدته قبل أيام على شاشة التلفزيون القومي في برنامج تم تصويره في منزله سمعت البيان الذي يقول ان الصادق المهدي هرب وبعدها سمعت من الصادق بأنه خرج في عملية تهتدون التي يقودها ابنه عبد الرحمن بعد أن تأكد بأن النظام لا يؤمن بالجهاد المدني ويريد أن يحتفظ به كدرع بشري في وجه التجمع المعارض.
أواصل مع تحياتي وشكري

الصحافة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..