مغزى الإنفصال المبكر للجنوب

الرأي24
مغزى الإنفصال المبكر للجنوب
المتوكل محمد موسي
يستبق الجميع إعلان نتائج الإستفتاء ويجزمون على أن الإنفصال هو الخيار الذى ستفرزه صناديق الإقتراع فى الثانى من فبراير القادم حينما تعلن مفوضية الإستفتاء النتيجة .. إن قفز الجميع إلى النتائج قبل إعلانها ليس آتٍ من فراغ ، بل قياساً لإستطلاعات آراء الناخبين الجنوبيين والمراقبين الذين ظلوا يتابعون الأمر عن كثب منذ توقيع الإتفاق وحتى يومنا هذا .. ليُصبح الإنفصال واقعاً لا مفر منه .. للدرجة التى جعلت البعض يتحدث عن ترتيبات ما بعد الإنفصال.
فى رأينا فإن الإنفصال كان واقعاً فى حياة السودانيين منذ عقود عديدة أما ما يحدث اليوم هو مجرد تحصيل حاصل.. فكل من شهد العلاقات بين الجنوبيين والشماليين وعايشها عن قرب يدرك جيداً أن السودانيين قد خلقوا حواجز عديدة بينهم منذ أمدٍ بعيد .. وهو أمرٌ ظل يتحاشى الجميع الحديث عنه والخوض فيه ، ولو كانوا فعلوا لأزالوا تلك الحواجز ولما دخل السودان فى هذا النفق المظلم الذى يعيش إرهاصاته اليوم وغداً سيدخل جُب غياهبه وحينها فقط سيدركون أى منقلبٍ سينقلبون ، العديد من الناس حاولوا الوقوف على أسباب واهية لإخفاء عجزهم وعدم قدرتهم على التعامل مع بعضهم البعض بتحميل الحكومات المتعاقبة وحدها وزر ما يحدث اليوم وهو إتهام قاصر ويتعلق بقضايا ظلت جهات كثيرة فى السودان تُعانى منها حالها كحال جنوب السودان فى قضية التهميش والإهمال وعدم العدالة فى إقتسام الثروة والسلطة ، وبل فى جانب تقاسم السلطة ظلت حظوظ أهل الجنوب أفضل من حظوظ أقاليم أخرى ، ولنأخذ مثالاً واحداً لذلك ضمن أمثلة كثيرة ، فموقع مثل موقع النائب الأول لرئيس الجمهورية ظل حكراً للإخوة الجنوبيين فى عدة حكومات تعاقبت على دست الحكم فى السودان ، وهكذا نرى أن تلك الأسباب لم تكن كافية لفرض الإنفصال أو الإستقلال للتعبير عن الحالة السياسية التى يعيشها جنوب السودان هذه الأيام ، ولذا سنكون أكثر صراحة ونقول ما يحدث الآن حدث بسبب أن السودانيين ( الشماليون والجنوبيون ) كانوا يتبادلون الكراهية وعدم الإحترام منذ أن بدأت الدولة السودانية فى التشكُل وإلى يومنا هذا وهو مايُفسر ويُعلن عن نتيجةٍ إستفتاء لم تكتمل بعد مراحل الإقتراع فيه ، وهكذا فشل السودانيون فى التعايش فى حضن وطنٍ كبير وفى ظل وحدة وتنوع يمكن أن يكونا مصدراً للقوة التى يسندها مخزون ضخم من الموارد البشرية والطبيعية والتى ستظل مهملة ومنسية فى خضم هذا الصراع المغذى بالكراهية والرغبة فى التباعد بصورة مذهلة .. هناك وحديون دون شك إلا أن أصواتهم مقموعة ولا يجدون سبيلاً للتعبير عن آرائهم ، إجمالاً يمكننا القول إن هذا الإستفتاء الذى إتسم بإستباق النتائج سيكون مؤشراً كبيراً على أن هناك ولايات ستحذو حذو الجنوب فى مسألة تقرير المصير مالم يسعَ الجميع إلى إصلاح ذات بينهم وتعزيز عُرى الأخوة والكف عن الأذى اللفظى والإحترام المتبادل للثقافات والخيارات فى مختلف المجالات.
أما وقد أصبح الإنفصال أمراً واقعاً .. فإن على السودانيين فى طرفى البلاد البدء فى التفكير بجدية فى تغيير مفاهيم كانت سائدة ومتبادلة حتى يتسنى للطرفين العيش بسلام فى دولتيهما .. ونقول لابد من تعزيز علاقات جيدة لأن الدولتين سوف لن تكونا مثل الدول الأخرى .. فواهم من يظن أنه و بعد الإنفصال سيغلق كل منهما باب منزله منعاً لدخول ريح المشاكل والأزمات ، على حسب المثل الذى يقول «الباب البجيب الريح سدوا وإستريح» لأن الأمر سوف لن يكون كذلك .. والسبب فى ذلك يعود إلى أنه من العسير إغلاق الأبواب ، كل فى دولته ، دون أن يحتاج كل منهما إلى الآخر ، الشمال يحتاج للجنوب وكذلك الأمر بالنسبة للجنوب مهما كابر المكابرون وغالط المغالطون .. ولا سبيل إلى فك الإشتباك بين الشمال والجنوب ، وهنا نشير إلى مثال دولة تشاد ، فرغم أن السودان وتشاد لم تكونا دولةً واحدة فانفلقتا ، إلا أن مايحدث اليوم فى تشاد يتأثر به السودان بصورة مباشرة والعكس صحيح خاصة فى ظل الأزمات السياسية والكوارث الطبيعية مثل الجفاف والتصحر ، فما بالنا بدولتى الشمال والجنوب ؟.
نرجو أن لا يمر درس الإستفتاء، مرور الكرام، دون أن يستفيد منه السودانيون فى وضع أُطرٍ لحياةٍ سلمية ومستقرة تقوم على الإحترام والإعتراف المتبادل بينهم ، لعل أكثر الأمور التى تُخيف هو ما يبدو من أحاديث البعض والتى تشى بأن تجربة الإنفصال لم تجعل الطرفين يبدوان أنهما قد فهما أنه بالإمكان تجربة العيش بسلام مع مراعاة المصلحة العامة لشعب الشمال والجنوب معاً .. فما الذى يمنع أن يكون الجنوب سوقاً للشمال تصله السلع بميزات نسبية لا تتوفر لباقى دول الجوار؟ والحال أيضاً بالنسبة للشمال لماذا لا يستورد ما ينتجه الجنوب بذات صيغة التمييز الإيجابى وقس على هذا كل ما يعن من مستجدات.
ما استفزنا لكتابة هذا المقال حبنا لهذا البلد الذى هو على وشك الإنشطار الكبير وما سينجم عنه من مخاطر فى وقتٍ لازال فيه هناك من يرسل الإشارات السالبة ويتحدث مستخفاً ومستصغراً المهددات التى تتربص بالحياة فى طرفى البلاد ، فقد صرح العديد من قيادات المؤتمر الوطني يقللون من تأثير ذلك على الشمال ، حتى يدرأوا عن أنفسهم الإنتقادت المريرة التى سيصوبها نحوهم معارضوهم ، فأسرفوا فى تصغير المخاطر الإقتصادية جراء الحرمان من بترول الجنوب وأن ذلك لن يؤثر على الشمال الذى يملك بدوره بحيراتٍ من النفط ، مثل هذه التصريحات وغيرها من التصريحات التى ظل يروج لها إنفصاليو الشمال أثرت كثيراً فى آراء المواطنين فى الشمال الذين باتوا يتصورون أن الجنوب لم يكن سوى عبئاً إقتصادياً على الشمال وأنه سينزاح عن كاهلهم حال الإنفصال ، كنا نرغب دحض مثل هذه الإفتراءات والأوهام بالأرقام والحقائق والأمثلة ، ولكن هذا الحيز لن يسمح لنا بذلك ربما نعود فى سانحة أخرى لفعل ذلك ، وسنظل نطلع أهلنا على مخاطر الإستخفاف بالعلاقة بين الشمال والجنوب سواءً فى حالتى الإنفصال أو الوحدة ، فقدر أهل السودان هو الجوار والحياة المشتركة ، لعل أقوى دليل على مانقوله هى تلك الحدود الواسعة التى تفصل بين الجهتين لا تستطيع كل القوانين أن تمنع وتحول بين الشماليين والجنوبيين من أن يتواصلا وليست هناك قوة تستطيع بناء حائط وأسلاك شائكة تمنع التواصل بينهما ، دع عنك الدماء التى تجرى فى عروق الطرفين والتى تمت بالمصاهرة فما من مجموعة عرقية فى الشمال إلا ولها علاقة دم بقبائل فى الجنوب ، ولذا فمن الحكمة بمكان أن يفكر الجميع فى وسيلة للتعايش تكفل لهم العيش فى علاقة جوار مميز والبحث عن صيغ للتعايش السلمى بعيداً عن الأذى اللفظى والإستخفاف ، لقد أعجبنى حديث أحد الشباب فى إحدى الإستطلاعات الكثيرة التى ظلت وسائل الإعلام تجريها فى أواسط جماهير الشعب السودانى هذه الأيام إذ قال : (الكل يتحدث عن الإستفتاء فى الجنوب .. وأنه ينفصل الآن .. على أنني لا أفعل الشئ نفسه، لأنني أعتبره حديثاً عن الموت .. بينما الحديث المهم هو الحديث عن الحياة ولوازم الحياة ..) فعلاً ينبغى الحديث عن لوازم الحياة الكريمة والسلمية بين الطرفين ولنجعل من الإستفتاء عبرة نستجلى منها الدروس والحكم وعلاقة لجيرة مميزة وألا نحوله إلى صراع جيران مثلما يحدث بين الكوريتين الشمالية والجنوبية أو مثلما حدث بين إثيوبيا وإريتريا.
الصحافة




حديثك عين العقل وياريت تجد من يفهمك فالقضية ليست من الحكام بل من الشعوب لان الحكام من صلب الشعب