رهاب العلمانية «2» تعقيب على مقال السيد مبارك الفاضل المهدي

جمال عبد الرحيم صالح
بالتزامن مع نشر الجزء الأول من مقالتنا بالعنوان أعلاه، نشر السيد مبارك الفاضل مقالًا مهمًا بتاريخ 7 يونيو 2026 بموقع News4Sudan بعنوان: “حول شعار «فصل الدين عن الدولة» وإعلان نيروبي الأخير”. وتنبع أهمية هذا المقال من كون كاتبه أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي السوداني، فضلًا عن دوره المعروف في معظم جولات التفاوض المتعلقة بالمشكلة السودانية، وما تمخض عنها من اتفاقات ومواثيق وإعلانات مبادئ يصعب حصرها.
استغرب السيد مبارك إعادة طرح مسألة فصل الدين عن الدولة، باعتبار أنها عولجت من قبل، وضُمِّنت في دستور عام 2005 بموافقة الجميع، بمن فيهم الإسلامويون. وأقتطف من مقاله المهم الفقرة الآتية التي تلخص ما يرى أنه ما توصلت إليه القوى السياسية: (سبق أن توصلت القوى السياسية السودانية، في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، إلى صيغة توافقية لمعالجة قضية العلاقة بين الدين والدولة والسياسة، بعد حوار واسع شاركت فيه مختلف القوى السياسية السودانية. وقد قامت تلك الصيغة على مبدأ الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية، وعلى تضمين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في الدستور باعتبارها الضمانة الأساسية لحقوق وحريات جميع المواطنين دون تمييز.وقد شكَّل هذا التوافق لاحقًا أحد المرتكزات الفكرية والسياسية لاتفاقية السلام الشامل ودستور السودان الانتقالي لعام 2005، ولذلك يثير الاستغراب أن يعود الجدل اليوم حول قضايا سبق أن حسمها الحوار السوداني بالتوافق الوطني).
في تقديري، فإن استغراب السيد مبارك في محله إلى حدٍّ كبير، كما أن ما طرحه لم تعوزه الدقة من حيث رواية الأحداث. فالقوى السياسية الرئيسية قد توافقت فعلًا بشأن فصل الدين عن الدولة واعتماد مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية في المواثيق والاتفاقات التي أشار إليها. كما جرى بالفعل تضمين ذلك في دستور عام 2005، حيث إن جميع الحقوق والواجبات، وفقًا لذلك الدستور، تقوم على أساس المواطنة، وعلى وقوف الدولة على مسافة واحدة من الجميع، وهو ما نرى أنه يشكِّل لبَّ العلمانية.
غير أن الدستور تضمن مادة واحدة تشير إلى أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا للقوانين، على ألا يسري ذلك على جنوب السودان.
هذا البند تحديدًا، المتعلق بمصدرية القوانين، هو أساس الإشكال القائم، نظريًا وعمليًا. وأستغرب أن تغيب هذه المسألة عن المتفاوضين في جميع جولات التفاوض السياسي في السودان، منذ أن زرعها نظام مايو في سبتمبر 1983.
أرى أن معالجة الخلاف حول مسألة فصل الدين عن الدولة يجب أن تُصوِّب على هذه القضية تحديدًا، أي قضية قوانين سبتمبر 1983. ولنكن واضحين في ذلك؛ فإن الذين ينادون بفصل الدين عن الدولة تندرج مخاوفهم في الآتي:
* أضْفَت هذه القوانين درجة عالية من الأسلمة، بمنحاها السلفي المخالف للعصر وقيمه، ولطبيعة المجتمع السوداني وتنوعه؛ وذلك لخدمة أهداف تيار سياسي بعينه، هو تيار الإخوان المسلمين، بغض النظر عن تعدد تسمياته. ومن مظاهر هذه الأسلمة ما سُمِّي بقانون النظام العام، الذي انتهك الحريات الشخصية الطبيعية للمواطنين، وتمادى في إذلالهم وإهانتهم باسم الدين. كما شملت تلك الأسلمة فرض رؤية أحادية، باسم الدين، على مسائل الاقتصاد والمال وغيرها.
* اتسمت العقوبات الملازمة لقوانين سبتمبر بقدر كبير من الوحشية، رغم إدخال بعض التعديلات المُخفِّفة والمُلطِّفة عليها لاحقًا، دون التخلص من هذا الطابع الوحشي، مثل عقوبات الجلد والقطع والرجم.
* تعارض الكثير من هذه القوانين المواثيق الدولية المعيارية. وفي هذا الصدد، أرى أن ما أورده السيد مبارك الفاضل بشأن تبني دستور 2005 لتلك المواثيق لم يكن دقيقًا، فهناك قدراً كبيراً من تلك المعايير تجاوزت عنها القوانين التي بنيت على ذلك الدستور.
إلى جانب مسألة القوانين، هناك قدر هائل من التهريج باسم الإسلام، يتولاه الإسلامويون بصورة منهجية، بهدف تصوير أنفسهم باعتبارهم حراسًا للدين، والتعامل مع مخالفيهم بوصفهم معادين له. غير أن هذه معركة أخرى ينبغي خوضها في إطار فكري وسياسي مختلف.
ما العمل للتعامل مع هذه الإشكالية الرئيسية؟
* من اللازم أن تتفق القوى السياسية على تحديد جوهر الخلاف بدقة أكبر، وأن تُنزِل شعار فصل الدين عن الدولة إلى مستوى أكثر تحديدًا وتفصيلاً، بعيدًا عن الفضفاضية القائمة الآن. والإشكال الرئيسي الذي يجب التركيز عليه هو مصدرية القوانين: هل يكون مصدرها الدين أم ما يتواضع عليه الناس، وفقًا لظروف حياتهم، وبما يتفق مع طبيعة مجتمعهم وتوازناته؟ هذا هو جوهر الخلاف القائم الآن، ومصدر التوهان الذي أغرق حياتنا السياسية في جدل غير مجدٍ.
* يجب إلغاء القوانين المسماة بالإسلامية، باعتبارها تقف حائلًا أمام وحدة البلاد، وتمثل العقدة المركزية في الوصول إلى توافق وطني. وفي هذا نختلف تمامًا مع ما طرحه السيد مبارك في رأيه الداعي إلى ترحيل الأمر إلى الانتخابات الديمقراطية، إذ أشار إلى ذلك فيما يلي: (أما محاولة فرض مثل هذه القضايا الفكرية والسياسية الكبرى من خلال التكتلات السياسية أو الاتفاقات بين مجموعات محدودة، فإنها تتناقض مع جوهر الممارسة الديمقراطية نفسها، التي تقوم على الاحتكام إلى إرادة الشعب. وقد عبَّر الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، عن هذا المعنى بوضوح عندما رد على دعوات مماثلة للأستاذ عبد العزيز الحلو، مؤكدًا أن مثل هذه القضايا لا تُفرض بواسطة أي طرف سياسي، وإنما يقررها الشعب السوداني عبر الوسائل الديمقراطية وصناديق الاقتراع).
إن ما صرح به السيد مبارك هنا، فيما نعلم، يمثل رأيًا جديدًا، إذ تجاوز الرأي السابق القاضي بترحيل الأمر إلى المؤتمر الدستوري، الذي تتعلل به القوى السياسية، وخاصة الحزبين الكبيرين، للهروب من مواجهة المشكلة الحقيقية. كما يتناقض مع حقيقة أن هذه القوانين لم تؤسس أصلاً على استحقاق انتخابي بقدر ما فرضت بليل لأغراض لا علاقة لها بالدين ابتداءً.
* لا ينبغي أن يمثل الاتفاق على إلغاء هذه القوانين معضلة كبيرة؛ فهي قد فُرضت فرضًا، ولم تأت نتاجًا لعملية انتخابية من الأساس كما ذكرنا. فضلًا عن ذلك، فإن مرجعيتها نفسها محل تساؤلات جوهرية تعرضنا لها بشيء من التفصيل في الجزء الأول من هذه المقالة. فقد قدمنا نماذج من التجربة التركية، التي يشارك حكامها إسلامويو السودان الأيديولوجيا نفسها، ومع ذلك لم يتجهوا إلى صياغة قوانين ذات منشأ إسلامي، رغم أن الغالبية الساحقة من مواطنيها مسلمون، على خلاف الحال في السودان.كما قدمنا أيضاً نماذج على أن الرافعين لشعار القوانين الإسلامية في السودان ليسوا مقتنعين بدعواهم على نحو كامل، إذ تجاوزوا عمدًا كثيرًا من المبادئ الفقهية المجمع عليها في المذاهب الأربعة، والمسنودة بنصوص واضحة من الكتاب والسنة. يوفر هذا بالطبع للقوى المنادية بإلغاء تلك القوانين حجة قوية في مواجهة المطالبين بتطبيقها.
* لا بد أن يتركز التفاوض والحوار السياسي، إلى جانب إلغاء تلك القوانين، على قضية أخرى مهمة، هي فصل السياسة عن الدين، بمعنى أن تؤسِّس المؤسسات السياسية والتشريعية، كالأحزاب والبرلمان، برامجها وتشريعاتها على مصالح الناس، التي لن تتعارض بالضرورة مع روح دينهم. وبمعنى آخر، ألا تُهدر مصالح الناس وحقهم في التقدم إرضاءً لجهات تستخدم الدين وسيلة للابتزاز، وتطالب بتطبيق النصوص دون مراعاة لسنن التغيير، ودون مراعاة لمصلحة الوطن، بل أحيانًا بما يتعارض مع روح الدين وجوهره.
* إن إلغاء هذه القوانين لا يعني، بأي حال من الأحوال، إلغاء دور الدين في حياة الناس. فلو رجعنا حتى إلى دستوري 1956 و1973، اللذين يوصفان بالعلمانيين، لوجدنا أن قانون الأحوال الشخصية، المنظم لمسائل الزواج والطلاق والمواريث وما إلى ذلك، يستند بصورة كاملة إلى الدين، سواء بالنسبة للمسلمين أو المسيحيين أو غيرهم. ولم يُطرح رأي معتبر ينادي بإلغاء ذلك القانون، وإنما تركزت الاعتراضات حول تعديله بما يواكب مستجدات الحياة ويتسق معها، علمًا بأن الفقه الموروث نفسه يتيح متسعًا لذلك، كما في مثال زواج التراضي الذي طرحه الترابي. بل أشير أيضًا إلى أن مواقف الاتحاد النسائي، بوصفه أحد القوى الاجتماعية الفاعلة، ظلت تركز على تعديل ذلك القانون دون المطالبة بإلغائه، مستندة في ذلك إلى مجموعة من الآراء الفقهية المستنيرة. وإضافة إلى ذلك، فإنه حتى في الديمقراطيات العلمانية العريقة لا تزال بعض القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية تنحو منحًى دينيًا، ولو بصورة محدودة، مثل الجدل المتعلق بالحق في الإجهاض. كما توجد أحزاب حاكمة في الغرب تضع عبارة “المسيحية” ضمن مسمياتها، وهو ما يعكس ارتباطها، بشكل أو بآخر، بمنظومة القيم الدينية التي ترفع شعاراتها.
إن مسلمي السودان يحتاجون، أكثر من غيرهم، إلى إجراء تعديلات في قوانينهم لتتناسب مع ظروفهم ومستجدات عصرهم. ففضلًا عن أن المنظومة القانونية التي زرعها الإسلامويون بعيدة عن روح الدين ومقاصده، وعن روح العصر، فإن الفقه الموروث نفسه يتسع لخلق الاتساق المطلوب بين الدين والعصر. وقد أسس لذلك عدد من الفقهاء الأعلام، مثل الإمام الشاطبي، الذي أدخل مفهوم المقاصد والمصلحة في فقه المعاملات، وهو الفقه الذي أسس عليه الإمام الصادق المهدي مشروعه الإصلاحي.
لن يتوقف الإسلامويون عن استخدام الدين أداة للابتزاز السياسي. وفي الواقع، ليس لديهم، في عالم الفكر، سوى هذا التهريج. لذا، ليس أمام القوى المدنية سوى العمل السياسي المنظم والرشيد لمواجهتهم. ويثبت الواقع الحالي، بصورة لا تقبل الجدل، إلى أي مدى يمكن أن يصلوا إذا تُرك لهم العنان. والدليل أنهم يخوضون اليوم، تحت باسم الجهاد، معركة ضد الشعب بأسره، رغم أن دستورهم وقوانينهم التي وضعوها بأيديهم لا يسندها ما يسمى بالجهاد أصلًا.أما التذرع بإحالة الأمر إلى مؤتمر دستوري، أو إلى الانتخابات، فنرى أنه لا يؤدي إلا إلى تمكينهم من أعناق الناس أكثر مما هم عليه الآن. وفي هذا أعتقد أن التحفظ الحالي لحزب الأمة على مسألة فصل الدين عن الدولة في إعلان مبادئ نيروبي، رغم موافقاته السابقة التي أشار إليها مقال السيد مبارك الفاضل، يعكس، بشكل أو بآخر، قدرًا من الرضوخ لابتزاز الإسلامويين الذي حذرنا منه.




كل التقدير والتهنئة عل مقالاتكم الرصينة. وححقا لقد كفيتم ووفيتم.
هنالك حساسية عند بعض من لا يدركون المعني الخاص بالعلمانية التي تناسب المجتمع السوداني. كما تعلم يمكننا ان نقول العلمانية تعني “فصل الدين عن الدولة” وفي نفس الوقت يمكننا أن نقول أنها تعني ” وقوف الدولة. مسافة واحدة من كل الأديان، الثقافات العادات والتقاليد”
وفي الطريقة الثانية استخدمنا كلمتي “مسافة واحدة ” بدلا عن كلمة “فصل” التي تعني عند البعض نوع من العداء للدين!
وهذة الحساسية غير المؤسسة ، اثيرت في الهند عند الإعداد النهائي للدستور في نهاية أربعينات القرن العشرين.: حينها استبدلت كلمة “العلمانية” بوقوف الدولة ” مسافة واحدة”…الخ. وبعد ذلك بعدة سنوات أعيد تعبير العلمانية نصا في التعديل الأول للدستور.
في الخلاصة أري ضرورة الاستفادة من هذة التجربة، حيث أن ما يهمنا هو الجوهر.
فيا يخص مصدر التشريع، ىمكن اضافة: “بما لا يتعارض مع اديان ومعتقدات الشعب السوداني”.
تسلم ويسلم يراعك أخي العزيز
شكرا مقال رصين فقط لدى بعض الملاحظات اهمها:
مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية جانبه التوفيق حين نص على ” منع قيام الاحزاب على اساس دينى ”
وفى ذلك قصر نظر واضح لأن الاحزاب السودانية الكبيرة نفسها تاسست فى جوهرها على اساس دينى طائفى وليس اساس برامجى .
والشئ الذى غاب عن جيل الاستقلال من القيادات السياسبة السودانية هو ضرورة حظر الاحزاب التى تتعارض مع الديمقراطية والاعلان العالمى لحقوق الانسان. الاحزاب السودانية خاصة العقائدية منها يسارا ويمينا لا تصون حق التعبير وحق الضمير لعضويتها. صحيح ان عضويتها تقبل بذلك فى اغلب الاحوال بسبب العمى والتعصب الايديولوجى . لكن هم فى النهاية مواطنين سودانيين .
مراجعة دساتير الاحزاب السياسية لضمان صيانة حقوق العضوية يفترضى ان يكون شرطا لأجازة وشرعنة نشاطها.
النظام الداخلى لهذه الاحزاب يضمن فقط حقوق القيادة وهيمنتها على القرار.
لايمكن منع عضوية الاحزاب من التشاور الافقى وتحرم من الاطلاع على اتجاهات الراى العام داخل احزابها بحجة تأمين اسرار التنظيم بينما تظل قواعد التنظيم مقطعة الاوصال فى وحدات منعزلة عن بعضها وفى نفس الوقت تتمتع القيادة بذلك الحق الكر حرمت منه عضويتها . قد يبدو ذلك عادي لدى الناس لانها تخلط بين مؤسسات العمل وتراتبية القيادة ولكن ليس للاخزاب السياسبة بحكم انها عمل تطوعى يفترض قيامه على الانتخاب وليس التعيين ( راجع دساتير الاخوان المسلمين والشيوعيين والقوميين العرب وبين عيوبها ).
كذلك تدعوا دساتير هذه الاحزاب على دعم قرارات الحزب حتى لو لم يمثل رايها فى قضية ما . فى هذا مصادرة لحرية الضمير وخرق للمصداقية ومبدأ المساءلة accountability issue.
افهم ان يكون التصويت لصالح قرارات الحزب فى المجال الذى يعمل فيه لان الديمقراطية تتطلب ذلك مادام القرار قد اتحذ بالأغلبية البسيطة وهو ما يحدث فى ممارسة الاحزاب السياسية فى عالم اليوم .