?فلتر? المبادرات المجتمعية الناجحة

حين يكون الواقع مليئاً بالاختلالات وتكون (الأشياء ليست هي الأشياء)، فإن المعالجات الأنسب والأنجح في التعامل مع هذا الواقع المختل والأوضاع المعكوسة هي تلك التي تولد أيضاً في أوضاع معكوسة وغير طبيعية.
هذه ليست (غلوطية).. لكنك إذا نظرت إلى الكم الكبير من المبادرات الاجتماعية والشبابية الفاعلة والمتفاعلة مع قضايا المجتمع في بلادنا بشكل ناجح الآن.. تجدها عبارة عن مبادرات مولودة خارج أرحام الشارع السياسي السوداني تماماً، بل على عكس الوضع الطبيعي، فإن أية مبادرة تفوح منها رائحة أجندة سياسية أو تقف خلفها مؤسسة تنظيمية أو حزبية، لا تحظى بالقدر الذي تحظى به مبادرات الشباب السوداني في مجالات التعليم وتأهيل المدارس وتوفير الدواء للمحتاجين، وإعانة المرضى بشكل عام، أو إيواء ورعاية وتأهيل المشردين وأطفال الشوارع.. أو مبادرات نظافة الأحياء والشوارع في المدن والقرى المختلفة وحماية البيئة وحماية المستهلك والتوعية الاجتماعية لمحاربة الظواهر السالبة.. عدد لا حصر له من الكيانات الشبابية والمجتمعية تقوم بتجميع وتوجيه طاقة الخير في المجتمع في أعمال ومشروعات مجتمعية في جميع مجالات الحياة..
في الوقت الذي لا تحظى فيه الكثير من المبادرات الأخرى التي تحمل نفس عناوين الأدوار المجتمعية المختلفة والتي بعضها تقوده منظمات ومؤسسات وجمعيات ذات ارتباط بالسلطة أو المعارضة لا تحظى جميعها بمصداقية كبيرة في عملها في المجتمع، ولا تجد دعماً أبعد من مستوى دعم المنتمين أو المتعاطفين مع تلك المؤسسات السياسية في السلطة أو المعارضة ..
وهذا بالطبع ليس هو الوضع المثالي، لكنه الواقع الذي أنتجته انطباعات عدم ثقة المجتمع في أهداف ومرامي البرامج الحزبية والمعايير التي ترسم بها خارطة دعمها ومساعداتها في المجتمع .
وحتى ولو افترضنا أن بعض المبادرات المجتمعية الناجحة يقودها شباب من الكوادر السياسية الناشطة لكنهم بالتأكيد يعرفون أن لحظة سقوط مبادرتهم هي اللحظة التي يفكرون فيها في استثمار أو توجيه أعمالهم لخدمة أجندة سياسية.. حينها سيفقدون ثقة الداعم لهم ويفقدون مصداقيتهم بين من يعملون معهم داخل المبادرة نفسها ثم يفقدون ثقة متلقي الدعم الذي سيفسر أية خطوة يقومون بها على أنها ذات بعد ومصلحة حزبية خاصة وليست المصلحة الوطنية العامة .
لذلك من الأفضل للدولة لو أرادت تنشيط فعل الخير والتكافل المجتمعي أن تحصر دورها في التعامل مع جميع هذه المبادرات المجتمعية بلسان رسمي واحد.. في تقديم التشجيع للجميع بشكل متساوٍ وبعيداً عن أي نوع من التصنيف السياسي، فلا أعمالهم يمكن الاستفادة منها سياسياً ولا هي قابلة للتوظيف ضد الدولة أو حزبها الحاكم؛ لأن المجتمع الداعم نفسه هو (الفلتر) الذي يتولى مهمة إبعاد وتجفيف المنظمات المشتبه في تبنيها أجندة سياسية .
في تقديري أن الوزارات المعنية بالشباب والشؤون الاجتماعية عليها أن تعيد النظر في استراتيجيتها في التعامل مع الجهود والمبادرات المجتمعية، وأن تقسم ميزانية دعمها بين جميع المبادرات والمنظمات بالتساوي حتى ولو تحول هذا الدعم إلى دعم رمزي فقط للجميع، لكنه سيساهم بعد ذلك في تغذية احترام المجتمع للدور الرسمي وإعادة الثقة في تعاون الحكومة مع القطاعات المجتمعية الناشطة.. بجانب أن ذلك الأمر يساهم كثيراً في توجيه طاقات جميع الشباب لخدمة الوطن بإحساس متعافٍ جداً ..
شوكة كرامة
لا تنازل عن حلايب وشلاتين

اليوم التالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..