مقالات وآراء

حين يتحول اللون إلى وطن: الصادق عجينة وسردية المكان في التشكيل السوداني

م. معاوية ماجد

ليس الفن التشكيلي زينة جدارية مؤقتة، ولا مجرد مهارة تقنية في تطويع اللون والخط والكتلة، بل هو، في جوهره العميق، فعل معرفة وبناء رمزي للعالم. إنه المعادل البصري للوعي، والمرآة التي تنعكس عليها تحولات المجتمع وتوترات التاريخ وأحلام الإنسان. ومن هذا المنظور، يتقدم الفنان التشكيلي بوصفه مثقفا عضويا، يسهم في صياغة الوجدان الجمعي بقدر ما يسهم في تشكيل المادة الخام وتحويلها إلى أثر خالد. وفي السياق السوداني، حيث يتشابك التاريخ بالأسطورة، وتتجاور الصحراء بالنيل، يبرز اسم الفنان التشكيلي السوداني الصادق عجينة بوصفه تجربة فنية ذات خصوصية جمالية ورؤية حضارية متكاملة.
وُلد الصادق عجينة في الجزيرة أبا بولاية النيل الأبيض، ذلك الفضاء الذي يتقاطع فيه النهر مع الذاكرة، وتتشكل فيه الهويات على إيقاع الطبيعة والتاريخ. الجزيرة أبا ليست مجرد موقع جغرافي، بل حاضنة رمزية كثيفة الدلالات، ارتبطت بسيرة الإمام المهدي وبالتحولات الكبرى في التاريخ السوداني الحديث، واحتضنت طبقات أثرية تعود إلى عصور سحيقة، من العصر الحجري إلى حضارة مروي. في هذا المناخ المشبع بالمعنى، تفتحت عين عجينة على العالم، وتشكل وعيه البصري الأول، فامتص من البيئة ألوانها، ومن التاريخ رموزه، ومن الناس بساطتهم وعمقهم.
تخرج عجينة في كلية الفنون الجميلة بجامعة السودان عام 1993، وتزود بتكوين أكاديمي رصين مكّنه من الإحاطة بأصول الرسم والتصميم والنحت وتقنيات الطباعة، ثم عزز خبرته بدبلوم عالٍ في الطباعة على الشاشات الحريرية من مصر. غير أن تكوينه الحقيقي لم يكن أكاديميا فحسب، بل كان وجوديا أيضا؛ إذ ظل المكان الأول، الجزيرة أبا، مرجعيته الجمالية والروحية التي يعود إليها كلما أراد أن يستعيد صفاء الرؤية ونقاء الدهشة.
في أعمال الصادق عجينة، لا يحضر المكان بوصفه خلفية صامتة، بل ككائن حي نابض. تتجلى القطاطي بملامحها الدائرية البسيطة، لا كعنصر معماري فحسب، بل كرمز لاستدامة العيش وتواضع الحكمة الشعبية. تتداخل وجوه الناس مع ملامح الحيوان والنبات في فسيفساء لونية تعكس التنوع الإثني والثقافي السوداني، حيث لا تفاضل بين عنصر وآخر، بل انسجام عضوي يشي بوحدة الوجود. اللون عنده ليس تزيينا، بل بنية دلالية؛ الأصفر والبني يستدعيان مواسم الجفاف وامتداد السهول، والأخضر يعلن عن انبعاث الحياة في مواسم المطر، فيما يظل النيل، حضوره صريحا أو مضمرا، شريانا بصريا وروحيا يغذي التكوين.
أسلوبه يجمع بين التجريد والإيحاء، بين الصرامة البنائية ورهافة الخط. ثمة بناء نسجي واضح يضبط العلاقات داخل اللوحة، وإيقاع خطي يمنح العين مسارا للتأمل، من غير أن يفرض معنى جاهزا. هنا يتبدى الحس الصوفي الذي ينساب في أعماله بهدوء؛ فراغاته ليست نقصا، بل مساحات تأمل، وطبقاته اللونية ليست تراكما عشوائيا، بل حوارا بين العتمة والضياء. إنه يساوم البياض ليخلق عوالمه المدهشة ابتكارا، مدركا متى يبدأ ومتى يتوقف، وهي فضيلة نادرة في الفن.
لم يقتصر أثر عجينة على إنتاج اللوحة، بل تجاوزه إلى الفعل الثقافي المؤسسي. فهو عضو اتحاد الفنانين التشكيليين بالسودان، ومؤسس مجموعة نوباتيا التشكيلية بالرياض، وأسهم في تنشيط الحراك التشكيلي داخل السودان وخارجه، ولا سيما في المنطقة الغربية بالمملكة العربية السعودية. عرض عشرات اللوحات التي تحاكي البيئة السودانية في معارض فردية وجماعية، ووجدت أعماله طريقها إلى مقتنيات مهمة، من جداريات في مؤسسات رسمية، إلى أعمال في فنادق ومراكز ثقافية بدول متعددة. بهذا المعنى، لم يكن فنه منغلقا على المحلية، بل انفتح على أفق عالمي، حاملا معه ملامح السودان إلى فضاءات أرحب.
غير أن الوجه الأعمق في تجربة الصادق عجينة يتجلى في رؤيته التنموية للمكان. فهو لا يكتفي بتصوير الجزيرة أبا، بل يحلم بإعادة إنتاجها في قالب تاريخي جمالي يجعل منها متحفا مفتوحا ومدينة للذاكرة. أعد تصميما تنفيذيا متكاملا لبوابة تاريخية عند مدخل الجزيرة، تتجسد فيها الملاحم والبطولات والتراث في جداريات كبرى، ويطمح إلى ترميم سرايا الإمام عبد الرحمن المهدي وتخصيص فضاء متحفي يجمع المقتنيات الأثرية والتراثية، من أدوات وأسلحة وقطع نادرة، لتصبح رافدا ثقافيا وسياحيا واقتصاديا. كما يدعو إلى صون المواقع ذات الرمزية الدينية والتاريخية، وإحياء المعالم المهملة لتتحول إلى جواذب حضارية.
من هنا جاءت مبادرته لترميم مدرسته القديمة في الجزيرة أبا، بوصفها فعل رد جميل وشرارة لبداية أوسع، تستنهض أبناء المنطقة داخل السودان وخارجه للمشاركة في إعادة بناء فضائهم التعليمي والثقافي. ولم تتوقف رؤيته عند حدود الصيانة المادية للمبنى، بل امتدت إلى أفق أرحب يتمثل في مشروع تأسيس مركز إسلامي بالجزيرة أبا، يستلهم مكانتها بوصفها المهد التاريخي للثورة المهدية وركيزة من ركائز إشعاعها الروحي والسياسي. فالمكان، في وعيه، ليس ذاكرة ساكنة، بل طاقة قابلة للتجدد، والمركز المقترح ليس مجرد مؤسسة دينية، بل فضاء جامع للمعرفة والتاريخ والتربية، يعيد وصل الأجيال بجذورها الفكرية والروحية. وقد رأت الفكرة النور في احتفاء مجتمعي يليق بها، احتفاء يشبه لوحاته في كثافته الرمزية وحرارته الوجدانية، حيث يمتزج الحلم بالفعل، ويتحول التصور إلى معلم في الواقع.
إن تجربة الصادق عجينة تقدم نموذجا للفنان الذي يصوغ من اللون خطابا، ومن الخط ذاكرة، ومن الحلم خطة عمل. فهو لا يرتهن للاحباط حين تضيق الإمكانات، بل يفتح للفكرة فضاءها الأرحب في الخيال، ثم يسعى إلى تجسيدها على الأرض. وبين المرسم والقرية، بين المعرض والموقع الأثري، تتشكل سردية فنية ترى في السودان مادة جمالية لا تنضب، وفي تاريخه رافعة للمستقبل.
هكذا يغدو اللون عند الصادق عجينة وطنا، وتغدو اللوحة خريطة للذاكرة، ويغدو الفن فعلا من أفعال النهضة. إنه فنان يعرف أن الجمال ليس انعزالا عن الواقع، بل طريقا لإعادة تخيله وبنائه، وأن ريف السودان، بكل بساطته وعمقه، قادر أن يتحول، عبر عين مبدع صادق، إلى لغة بصرية تخاطب العالم بثقة واقتدار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..