حكومة الخرطوم والخريف

حكومة الخرطوم والخريف
أول أمس الجمعة، مضى أسبوع على الأمطار التي هطلت للمرة الثانية فقط منذ أن بدأ فصل الخريف في يوليو الماضي، في هذا اليوم أرعدت السماء وأبرقت وكادت تهطل الأمطار وتعيد نفس المشهد لولا لطف الله فهو متطلع على ما لحق بالمواطنين من أضرار جراء (مطرتين) فقط وقد خلفتا عدداً من القتلى والإصابات والمنازل المدمرة وأُسراً في العراء وشوارع، وأسواق غارقة في المياه تنتظر حرارة الشمس لتبخرها، فلا مصرف ولا عربات شفط تعكس اهتمام حكومة الخرطوم، لم تهطل الأمطار ليلة الجمعة الماضية فقد أرسل الله رياحاً حملتها بعيداً لتسقي أرضاً أخرى، ولكن حتى الرياح التي لم تكن عاتيةً جداً خلفت كثيراً من الأضرار.. الغريبة مثل هذه الأمطار والرياح تمر على جميع قرى السودان وأغلبها قطاطي ورواكيب دون أن تأخذ منها قشة واحدة فما سر الدمار الذي يحدث في الخرطوم؟ هناك الناس يفعلون كل شئ بأنفسهم، فالحكومة ليس لها مكان في حياتهم، وما تصنعه أيديهم رغم تقليديته أجود مما تصنعه يد الحكومة.
الرياح التي ضربت الخرطوم يوم الجمعة، أنقذت الخرطوم من كارثة غرق مُحقّقة ولكنها أدت إلى حُدوث عدد من الحوادث التي تكشف عن مدى الإهمال وسُوء الإدارة، الرياح أدت إلى سُقوط لوحة إعلانية ضخمة حطّمت عدداً من السيارات، وهي ليست اللوحة الأولى فقبلها سقطت عشرات اللوحات وتسبّبت في أضرار للمواطن، واقتلعت سقف عنبر للأطفال مصنوع من الزنك في مستشفى بجبل أولياء، وقال لي شهود عيان لو لا عناية الله لحدث ما لا يحمد عقباه، الرياح كسرت العديد من أفرع الأشجار الضخمة في عددٍ من الشّوارع وأغلقتها، هذا إضافةً إلى حوادث أخرى كثيرة مُتفرِّقة، السؤال الذي يطرح نفسه هنا مَن المسؤول من كل هذه الكوارث؟ وكيف غاب على من بنوا العنبر ووضعوا اللافتات أن يراعوا ظروف البيئة وهم يعلمون جيداً أن هناك فصل أمطار وكل شئ متوقع، وكيف فات على والي الخرطوم ومعتمديه السبعة أنّ تلك الأشجار تحتاج إلى الاهتمام المُستمر وتنسيقها كل فترة حتى لا تضر بالمارة أو الشوارع وتحسباً لفصل الخريف، لا شك أنه نوعٌ من عدم المسؤولية والفوضى والإهمال، فهؤلاء المسؤولون لا يتحرّكون أبداً إلاّ بعد وقوع الكوارث وأحياناً لا يتحرّكون أبداً.
بالأمس قامت جهة من جهات الخرطوم لا أدري ما هي، بالعمل على تقطيع أشجار النيم الضخمة التي تتزيّن جنبات بعض الشوارع الرئيسية مثل شارعي المك نمر والقصر وغيرهما، المضحك المبكي هي طريقة التقطيع العشوائية، فقد عُوملت الأشجار مثلما تعامل أشجار الخلاء بدون أية فنيات وفي ظرف ساعات تحوّلت الأشجار المورقة إلى سيقان أشجار لا يكسوها شئ، مَن قال لهؤلاء إن الشجر يتم تقطيعه بهذه الطريقة البشعة؟، فهذه الأشجار تحتاج الى تنسيقٍ وليس تقطيعاً، أليست بالبلد جهة مسؤولة من هذه الأشجار وزراعتها وقطعها والاهتمام بتنسيقها؟! ويبدو أنّ المحلية قامت باستئجار عمال ليست لهم علاقة بالأشجار وطلبت منهم إنجاز المُهمّة، فالطريقة التي قُطعت بها الأشجار تدل على أن من فعلوا لم يتعاملوا مع شجرة في حياتهم وقد تجعل الأشجار لا تنمو مرةً أخرى، هذا هو العلاج الذي اتخذته ولاية الخرطوم فيما يتعلق بالأشحار التي تجمِّل قبح الشوارع، هكذا تتصرّف الحكومة، تعالج الكوارث بالكوارث والأخطاء بالأخطاء..!
واضحٌ جداً أن حكومة الخرطوم لا تهتم بأي شئ، وأعتقد أن الخرطوم وصلت إلى النهاية، وأنها لن تتحمّل خريفاً آخر ولا أدري كيف يمكن لسكانها أن يستقبلوا الخريف القادم، خَاصّةً وأنّ المناخ ينذر بالكثير من التغيُّرات.
أسماء محمد جمعة
التيار



