
في بعض الأيام لا تدخل الذاكرة بوصفها تاريخاً، بل تدخل بوصفها جرحاً مفتوحاً. هناك تواريخ لا تمرّ على الشعوب، بل تبقى واقفة أمامها كمرآة قاسية تجبرها على رؤية وجهها الحقيقي. والثالث من يونيو 2019 واحد من تلك الأيام التي لم يكن فيها الدم مجرد دم، ولا الجريمة مجرد حادثة، بل كان لحظة انكشاف كبرى لسقوط أقنعة داخل دولة ظلت سنوات طويلة تخفي قسوتها وأزمتها تحت شعارات الأمن والاستقرار.
في ذلك الصباح الرمضاني لم يُفضَّ اعتصام فقط أمام القيادة العامة، ولم تُبعثر خيام في ساحة احتجاج. الذي تم فضّه كان حلماً كاملاً لشباب خرجوا يبحثون عن وطن مختلف، وطن بتأسيس جديد؛ وطن لا تكون فيه البندقية أعلى من الإنسان، ولا تكون فيه السلطة امتيازاً دائماً لمن يحمل السلاح.
كان أولئك الشباب يملكون سلاحاً واحداً: فكرة أن السودان يمكن أن يولد من جديد. ولهذا كانت جريمتهم في نظر منطق السلطة العسكرية الظلامين ومن يساندونهم أنهم أثبتوا أن الشعب قادر على الوقوف بلا خوف.
لم تكن المأساة في عدد الضحايا فقط، فالأرقام مهما كبرت تبقى عاجزة عن وصف حجم الانكسار. المأساة الحقيقية أن بعض أبناء الوطن الشرفاء اكتشفوا في ذلك اليوم أن الدولة التي يفترض أن تحميهم يمكن أن تتحول إلى مصدر الرعب نفسه؛ أن يصبح المواطن هدفاً، وأن تصبح الساحة التي شهدت أحلامه مكاناً للدم والمطاردة والخوف، وأن تخذلهم النخب السياسية التي اختارت التسويات على حساب مطالب الشارع.
مرت السنوات، لكن السؤال بقي معلقاً: كيف يمكن لوطن أن يتجاوز جريمة لم يُواجهها؟ وكيف يمكن لبلد أن يبني مستقبله فوق ذاكرة حاول الظلاميين والعسكر وميليشياتهم دفنها؟
إن أخطر ما في مذبحة فض الاعتصام أنها لم تكن لحظة منفصلة عن تاريخ السودان، بل كانت امتداداً لعلاقة مختلة بين السلطة والمجتمع. علاقة اعتادت فيها المؤسسات المسلحة أن ترى السياسة ساحة نفوذ لا مجالاً للمنافسة المدنية، وأن ترى الشعب قوة يجب احتواؤها لا شريكاً يجب الاستماع إليه.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن البلاد في ذلك الوقت كانت تحت سيطرة المجلس العسكري الانتقالي، وأن المؤسسة العسكرية كانت صاحبة اليد العليا في إدارة المشهد السياسي والأمني. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية لا يمكن أن تُمحى بتغيير المواقع أو بتبدل التحالفات أو بمحاولات إعادة صياغة سرد الرواية بعد سنوات.
المفارقة الأكثر قسوة أن القوى التي اجتمعت في ذلك اليوم ضد المعتصمين لم تستطع بعد سنوات أن تبقى متحدة حتى على إدارة السلطة. فالنار التي أُشعلت ضد الشباب لم تبقَ خارج البيت؛ عادت لتلتهم البيت نفسه.
الحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست ابنة لحظة واحدة في أبريل 2023 فقط. جذورها أعمق. إنها نتيجة تراكم طويل من خلل لتأسيس الدولة السودانية، ومن تأجيل الأسئلة الكبرى والهروب منها: من يحكم؟ كيف تُحاسب القوة؟ ما حدود المؤسسة العسكرية؟ من يحتكر الثروة؟ وهل الدولة ملك للجميع أم غنيمة لمن يسيطر عليها؟
إن الثالث من يونيو لم يكن فقط يوماً استشهد فيه شباب مدنيون عُزل، بل كان يوماً قُتلت فيه فرصة تاريخية لبناء انتقال مختلف وانتشال الوطن من كبوته التاريخية. لأن العدالة التي لم تأتِ في وقتها تحولت إلى غضب مكتوم، والجرح الذي لم يُعالج ظل ينزف تحت الرماد حتى انفجر الوطن كله.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً بعد عقود من استهداف المدنيين العزل، لأن فكرة المحاسبة جرى التعامل معها كأنها عقبة سياسية، لا كشرط لبناء دولة سليمة. فالعدالة ليست انتقاماً، بل هي الرسالة التي تقول للمجتمع إن حياة المواطن الإنسان لها قيمة، وإن السلطة مهما علت ليست فوق السؤال.
عندما يفلت مرتكبو القتل والسحل والعنف من الحساب، فإن الرسالة التي تصل للأجيال القادمة تكون خطيرة: أن القوة تحمي صاحبها، وأن الدم يمكن أن يُنسى إذا مرّ الزمن.
وهنا تكمن المأساة الكبرى. فالحرب الحالية ليست فقط صراعاً بين قوى مسلحة، بل هي نتيجة طبيعية لدولة لم تحسم علاقتها مع العنف. دولة سمحت بأن يصبح السلاح طريقاً مختصراً إلى السلطة، ثم فوجئت بأن السلاح نفسه أصبح يهدد وجودها.
اليوم، بعد سنوات من ذلك اليوم الأسود، لا يحتاج السودانيون إلى مزيد من المؤتمرات والخطب والبيانات التي تمجد الماضي أو تبرر الحاضر. يحتاجون إلى مواجهة الحقيقة كما هي: أن الشعوب التي لا تحاسب على قتل أبنائها تعيد إنتاج المأساة بأشكال أخرى.وان الدولة السودانية لابد من اعادة بنائها من جديد علي اسس جديدة بدلا ترقيعها في كل مرة .
ربما يكون أعظم درس من الثالث من يونيو أن الوطن لا يُبنى فوق الصمت، ولا فوق النسيان. فالذاكرة ليست رغبة في الانتقام، بل محاولة لمنع تكرار الكارثة.
إن الذين سقطوا شهداء أمام القيادة العامة لم يكونوا مجرد ضحايا في صفحة حزينة من التاريخ. كانوا شهوداً على لحظة حاول فيها الوطن أن يخرج من ماضيه؛ من عسكرة السياسة وتديينها، لكن الاحتكار والأنانية والسلطوية قاومت ذلك بكل أدواتها.
ويبقى السؤال الذي سيطارد هذا الوطن طويلاً: هل كانت المذبحة نهاية حلم ثورة ديسمبر المجيدة، أم أنها كانت الثمن المؤلم الذي سيدفعه الوطن قبل أن يتعلم أن الدولة التي لا تحترم مواطنيها لا تستطيع أن تحمي نفسها؟
فالأوطان لا تسقط فقط عندما تُهزم في ميادين القتال، بل عندما يصبح قتل أبنائها حدثاً يمكن تأجيل الحديث عنه، أو ملفاً يمكن إغلاقه تحت ضغط السياسة والخوف.
في الثالث من يونيو لم تُقتل أجساد فقط؛ قُتل الاعتقاد بأن التغيير يمكن أن يأتي بلا ثمن، وأن صوت الشارع يمكن أن يكون أقوى من فوهة البندقية.
ومنذ ذلك اليوم ظل السودان يحمل داخله ذلك السؤال المرير: هل بدأت الحرب فعلاً في أبريل 2023، أم أنها بدأت في اللحظة التي ظن فيها البعض أن دماء الشباب يمكن أن تُدفن مع الخيام؟
فالدول التي لا تواجه جرائمها لا تطوي صفحاتها، بل تكتب صفحات جديدة من المأساة. والذين لم يسمعوا صرخات الضحايا في ساحة الاعتصام سمعوا لاحقاً صوت المدافع وهي تهدم المدن والبيوت .
لم يكن الخراب مفاجئاً، ولم تكن الكارثة نازلة من السماء. كانت هناك علامات واضحة، وكان هناك جرح مفتوح، لكن تعاملت معه النخب السياسية كأنه ندبة قديمة، بينما كان في الحقيقة مرضاً مزمن يتوسع في جسد الوطن.
سيبقى الثالث من يونيو شاهداً على لحظة فقدت فيها الدولة معناها؛ لأن الدولة التي تخاف من شبابها أكثر مما تخاف على مستقبلها، لا تحمي نفسها… بل تكتب نهايتها بيدها.
لكن الذاكرة ليست قبراً للماضي. الذاكرة هي المحكمة الأخيرة حين تغيب المحاكم، وهي الطريق الوحيد لكي لا يتحول الضحايا إلى أرقام في نشرات الأخبار.
ربما لن يستطيع جيلنا أن يمحو ذلك اليوم، وربما لا يملك القدرة على إعادة الذين رحلوا، لكنه يملك شيئاً واحداً: ألا يسمح بأن يصبح الدم عادة، وأن يصبح القتل العلني والصمت ثقافة.



