أخبار السودان

بَيْنَ الخَوْفَيْن … (تعقيب على مقال السكرتير السياسي للحزب الشيوعي حول الجبهة العريضة)

عمر الدقير

العنوان مُستوحى من رواية نجيب محفوظ “بين القَصْرَيْن”، حيث يقف شخوص الرواية في منطقة مُلتبسة بين عالَمَيْن: فلا الماضي قادر على البقاء كما هو، ولا المستقبل يسمح بالدخول إليه دون كلفة .. هذا الوقوف في المنطقة الفاصلة، بما يحمله من أسئلة ومسؤولية وقلق أخلاقي، يستدعي حال القوى المدنية السودانية، وهي تواجه الخوف من خطر الانهيار الكامل والخوف من تسوية تعيد إنتاج أسباب الكارثة. وبين هذين الخوفين أُعَقِّب على مقال الأستاذ محمد مختار الخطيب – السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني – بعنوان: “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم .. الجبهة العريضة هي الحل”. ومع تعدُّد القضايا التي تناولها المقال، يقتصر هذا التعقيب على دعوته إلى الجبهة العريضة وشروط بنائها.

بدايةً، نُقدِّر خروج الأستاذ الخطيب إلى الرأي العام بهذه الرؤية في أول حديثٍ له منذ اندلاع الحرب – إن لم تخني الذاكرة – ونأمل أن يجد المختلفون معه موقع الشراكة في البحث عن الخلاص.

يحتل التحذير من التسوية المعيبة موقعاً مركزياً في المقال، وهو تحذير مشروع، لكنه يكشف أيضاً عن إشكالية في خطاب الحزب الشيوعي: التشديد على مخاطر التسوية المعيبة، مقابل التعثُّر في بناء عملٍ مشترك قادرٍ على مواجهتها. فكيف تُبنى جبهةٌ عريضة مع تحديد خطوط فصل تمنع التعاون مع قوى تشارك الحزب رفض الحرب والتطلع إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية عبر عملية سياسية تأسيسية شاملة؟

وتبدأ الإشكالية باختزال الصراع في مشروعين: أحدهما يُقدَّم بوصفه ممثلاً للثورة والتحرر، والآخر تُجمع تحته قوى متباينة تُنسب إليها التبعية وتصفية الثورة. وجود برامج متباينة لا يجعل كل اختلاف حول وسائل التغيير اصطفافاً ضد الثورة، ولا يبرر وضع قوى مدنية مناهضة للحرب وحَمَلة السلاح المتحاربين في خانة واحدة.

وهذه الاختزال ليس جديداً؛ فقبل ديسمبر ٢٠١٨، ظلّ خطاب الحزب الشيوعي يختزل التباينات في تكتيكات ووسائل العمل المعارِض في ثنائية “خط المقاومة” و”الهبوط الناعم”، رغم انخراط كافة قوى المعارضة آنذاك – عملياً – في نشاط المقاومة بإصدارها بيانات التعبئة وحضورها في ساحات الاحتجاج وتقاسمها زنازين الاعتقال وأقفاص المحاكمات السياسية. وقد أسهم ذلك الاختزال في إحداث قطيعة سياسية بين تحالفي نداء السودان وقوى الإجماع الوطني.

وكما هو معلوم، أوجب انفجار الحراك الجماهيري تجاوز القطيعة بين التحالفَيْن .. ففي الأسبوع الثالث من ديسمبر ٢٠١٨، انعقد اجتماع سري بأحد منازل حي الملازمين بأمدرمان، ضمّني – بصفتي رئيس نداء السودان بالداخل – والباشمهندس صديق يوسف والكابتن صديق أبو فواز، عضوي قيادة قوى الإجماع الوطني؛ وتوالت اللقاءات بمشاركة التجمع الاتحادي وتجمعي المهنيين والقوى المدنية وآخرين، وصولاً إلى تشكيل تحالف الحرية والتغيير ونشر إعلانه مطلع يناير ٢٠١٩، وكان “إسقاط النظام” في صدارة بنوده.

شارك الحزب الشيوعي في مفاوضات كتابة الوثيقة الدستورية وتشكيل السلطة الانتقالية .. وفي نوفمبر ٢٠٢٠؛ انسحب من التحالف، مُحمِّلاً إياه مسؤولية المساومات مع العسكر والتفريط في أهداف الثورة .. وللمفارقة، سبق ذلك مناشدته حزب الأمة القومي فك تجميد عضويته، محذراً من انقسام قوى الثورة ومؤكداً أن تصحيح المسار ينبغي أن يتم من داخل الوعاء المشترك لا عبر مغادرته!

حدث ذلك رغم أن تاريخ الحزب الشيوعي يُسجِّل موقفاً اتّسم بإدراك أهمية العمل الجبهوي والمرونة في إدارته؛ ففي عهد الحكم العسكري الأول، شارك الشيوعي في انتخابات المجالس المحلية، بينما قاطعتها غالب قوى المعارضة. ومع ذلك، أكد احترام رأي المقاطعين واستعداده للعمل المشترك معهم خارج نطاق الانتخابات، في تمييز صائب بين التباين في الوسائل ووحدة الهدف.

في البرنامج الوطني الديمقراطي الذي يطرحه الخطيب مبادئ مشتركة: وحدة السودان والمواطنة المتساوية وديموقراطية الحكم وفيدراليته، والحريات والعدالة وتفكيك التمكين، وإعادة بناء القوات النظامية، وإصلاح المؤسسات والتنمية، وسيادة الشعب على موارده وعلاقات خارجية متوازنة وغيرها .. فلماذا لا تُبنى الجبهة حول هذه المبادئ، مع إدارة أية تباينات في تفاصيلها ديمقراطياً؟

أما دعوة المقال إلى مراجعة التجربة الانتقالية – التي وأدها انقلاب ٢٥ أكتوبر – فينبغي أن تشمل الجميع، وتقتضي إنصاف الإنجازات ونقد الأخطاء، دون تحويل المراجعة إلى امتحان قبول يُشترط فيه تبنِّي قراءة طرف واحد.

يطرح الخطيب النشاط الجماهيري المنظّم وسيلةً لإيقاف الحرب؛ والسؤال: كيف يُبنى هذا النشاط ويُحمى في واقع التشريد والقمع، ويتحوّل إلى ضغطٍ فعّال على المتحاربين؟ هذا يستدعي توسيع دائرة التنسيق المدني، والإقرار بأن التباين في التقديرات وأهمية نقد التجارب السابقة لا ينبغي أن يتحولا إلى سبب لتعطيل بناء مسار تنسيق مدني ينتج عملاً جماهيرياً منظماً في الداخل والخارج.

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع أمام الحزب الشيوعي: كيف يترجم نقده وتحذيره من المخاطر إلى إسهام في المحاولة الشاقّة لبناء مركز مدني فعّال، دون التفريط في جوهر ما ينادي به؟ ولمصلحة مَنْ يُحوَّل تباين التقديرات السياسية داخل المعسكر المدني إلى خطوط فصلٍ صلبة تمنع العمل الجبهوي، ولو بصيغة التنسيق؟ وهو تساؤل نطرحه من موقع الحرص على دور الحزب، لا الانتقاص منه أو المزايدة عليه.

إن الخوف من الانهيار والخوف من تسوية تعيد إنتاج الأزمة يستدعيان إلتئام أوسع تيار مدني قادر على الدفع نحو إيقاف الحرب والتأثير في شروط السلام وضماناته؛ إذ إن تَشتُّت القوى المدنية يُضعف قدرتها على منع المآلات التي تتحسّب لها. والمطلوب تنسيق جهودها لتكون في خدمة الأهداف التي تنادي بها: إيقاف الحرب، وتمكين الاستجابة الإنسانية، والتوافق على أسس جديدة للبناء الوطني تُعالج جذور الأزمة وتمنع إعادة إنتاجها وتكرار إخفاقات الماضي.

“بين الخوفين”، يظل الطريق الأجدى للخلاص هو العمل المدني المشترك، المرتبط بالسودانيين الذين أنهكتهم الحرب، وأضناهم السَّهَر وهم ينتظرون فجر السلام المستدام ويتطلعون إلى وطنٍ يسعهم جميعاً بشروط الحياة الكريمة، بلا تمييز ولا تهميش.

 

‫5 تعليقات

  1. أكبر وهمة أضرت بالحزب الشيوعي هو وهمة إنه يمكنه أن يقيم جبهة عريضة من الجماهير
    بدون أحزاب هذه. يعني دايرين جماهير الانصار في جبهة عريضة بدون حزب الأمة ودايرين جماهير الختمية والأتحاديين بدون الحزب الإتحادي.
    طبعا الشيوعيين معتمدين علي وهمة أقدم، من الستينات، وتكلم عنها عبد الخالق
    تقول الوهمة أن الشيوعيين يفوزون في النقابات بأصوات هؤلاء الجماهير فلماذا لا يكون ذلك هو الحال في السياسة!!!!. هذا تفكير رغبوي ساذج ولكن الشيوعيين أسياد التفكير الرغبوي ففكرة الشيوعية علي الارض ما هي إلا حلم طوبوي لم ولن يحدث

    1. الادهى و الأمر أن الحزب الشيوعي و من وقع اثر الحرب، كان أكثر قربا للاسلاميين في التخفيف عليهم و هم ام البلاء في وقت الحرب او السلم او منذ أن بدأ ظهور تنظيمهم اللعين من قبل فجر الاستقلال ليثبت الحزب بعد كل التجارب السابقة و نحن في حالة الانهيار و الدمار الماثل انه ما هو الا عقبة كؤوود على النفاذ و الاستدراك و المعايرة و هلم جرا

  2. دا خطاب واعي ومتزن بعيد عن المهاترات والشتائم كما عهدنا دائما رزانة خطاب الباشمهندس عمر.
    ولي رأي ربما يبدو غريبا : مافي داعي الناس يشغل وقتها بالنقاش حول التنسيق او التحالفات . فمن الواضح بعد اكثر من 6 سنين لا زال النقاش بين الطرفين كما هو . طرف يقول “الهبوط الناعم” … وطرف آخر يقول “الحزب بعنادو بيعزز موقف الكيزان”. ببساطة نطلب من الطرفين كل واحد يعمل في مجالو اللي شايفو سليم وان يلتزم الطرفان فقط بتهدئة الخطاب العدائي بينهما الى اقل ما يمكن . وكل واحد يهتم بإنجاز ما يطرحه وبالصيغة اللي بيشوفها اكمل. وحسب رايي ، فالطرفان ضعيفان على مستوى الحضور الجماهيري. والاجماع الجماهيري ،كما حدث في سبتمبر19، هو الذي اعاد تشكيل التحالف كما تريده الجماهير وليس نزولا على رغبة او طرح اي منهما. لا باس من التعليق حول افعال او ممارسات اي طرف ولكن الالتزام بعدم العدائية في الخطاب. فأنت تستطيع توصيل فكرتك للجماهير ، اذا كانت غايتك فعلا هي مصلحة الجماهير، دون خطاب كراهية.

  3. التغيير الحقيقي فئ حياة الشعوب تقودها الجماهير من خلال أوعية تعبر عنها شكلاً و جوهراً و لكن مشكلة الكبرى في السودان هده القوي التي تدعي تمثيل الشعب السوداني تعرف تماماً أنها لا تعبر الا عن مجموعة صغير جدا لا تسطيع أن تراها بالمجهر لذلك خوفهم الأكبر هو الانتخابات لذلك يتفقون تماماً مع الكيزان في سرقة الثورات و الانقلابات افتعال الصراعات العرق و الدين و القبلية من اجل الحصول علي السلطة.

  4. الإقرار بأن التباين في التقديرات وأهمية نقد التجارب السابقة لا ينبغي أن يتحولا إلى سبب لتعطيل بناء مسار تنسيق مدني ينتج عملاً جماهيرياً منظماً في الداخل والخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..