في طرابلس الغرب [2] (كن قارئًا .. كن نبيلًا)

شريف محمد شريف
“كنتُ دائمًا أتخيل أن الفردوس سيكون نوعًا من المكتبة”.
“خورخي ل بورخيس”
(1)
بعد أسابيع من العمل في مكتبة دار الفكر، عرض عليَّ السيد «مناف» العمل بدوام كامل في مكتبتهم الثانية «مكتبة النبلاء»، مع توفير السكن في ذات مبنى العمل؛ وبالتالي إراحتي من كُلفة الإيجار التي كنت أتحمّلها مقابل غرفةٍ كنا نكتريها في شارعٍ متفرّعٍ من شارع الجمهورية العتيق، في قلب المدينة.
منذ الوهلة الأولى بدا لي السيد «مناف» رجلًا وديع الطبع، هادئ السَّمت، منحه الله بسطةً في العقل والجسد. ومنذ لقائي به في المقابلة الأولى، توسمت فيه خيرًا ولطفًا وحسن معاملة، ونجابةً تدرك مغزى وجودي في بلده. لذلك اخترت البساطة والصراحة والمباشرة في التعامل معه منذ البداية.
وعندما عرض عليَّ الوظيفة الثانية، طلبت إليه أن أذهب أولًا لمعاينة المكتبة ومكان السكن، ثم كانت إجابتي بالموافقة. وعليه، أشكره على كريم تعامله وجزيل فضله، آملًا أن تدوم المودة والثقة في أرقى مستوياتها – نُبلًا وعملًا – في مكتبة النبلاء.
(2)
مكتبةُ النبلاء هي مكتبةٌ متخصِّصة في الكتب الدينية. القرآن وعلومه، والفقه، والحديث، وكتب السِّير والتاريخ الإسلامي، إضافةً إلى بعض علوم اللغة العربية وكتب الأطفال الدينية.
يقع مقرُّها في سوق الجمعة، على طريق السوالم، بالقرب من جزيرة باب تاجوراء، في بداية منطقة «سوق الجمعة». وهو حيٌّ داخليٌّ في طرابلس، يمتاز مطلعه بالهدوء والانسجام في حركته وساكنيه؛ فلا يُسمَع فيه ضجيجٌ يُذكر. وقد سرَّني المكان بما فيه من سكينةٍ تصلح للعمل والسكن والقراءة.
وهكذا سأقضي اثنتي عشرة ساعةً في العمل بين الكتب، وعندما أعود إلى المسكن أكون أيضًا مُحاطًا بها من جانبين؛ إذ يقع مخزنُ الكتب بجوارنا، فيؤانس وحدتنا بصمتٍ محمودٍ دائم. وتنادي بعضُ أرففه إلى تصفُّح ما عليها، فتطلُّ علينا بين الفينة والأخرى، ولا تختفي عن ناظرينا، وكأنها ترفض الإهمال وتُذكِّر بنفسها، ولا ترضى أن تكون كالجدار يعلوه الغبار والنسيان.
أشعر بسعادةٍ وألفةٍ وأنا أنام بينها ومعها، ويُخيَّل إليَّ أحيانًا أنها ستتسرَّب إلى عقلي في هدوء الليل، وأنا إلى جوارها نائم، نتبادل أنفاسنا، فتناجيني وتداعبني كدغدغة العصافير في أعشاشها.
وماذا أريد أكثر من ذلك؟ أن تكون الكتب عملي ومسكني وجواري ورفقتي وأُنسي وسلوتي، بل حتى مؤنِسَ وحشتي حين يصمت المكان من الناس، ولا تعود عيناي تُبصر الأُنس إلا بها!
ألم يقل المتنبي إنها «خيرُ جليس»؟ ألم يصفها الجاحظ، صاحب «البيان والتبيين»، بأنها الجارُّ الأبر، والخليطُ الأنصف، والرفيقُ الأطوع، والمعلِّمُ الأخضع؟!.
(3)
ومع ذلك، وعلى قِصرِ الزمانِ والمكانِ هناك، في دارِ الفكر، سأذكرُ صاحبيَّ “المعز” و”عبدالرحمن”، وقد صرتُ بصحبتهما كَلِفًا، وكانا بصحبتي مولعين. سأذكرُ ذهابي إلى ميدانِ الشهداء، وتنَسُّمَ هواءِ البحر. وسأُعاودُ ذكرَى زيارتي إلى ميدانِ الجزائر، وحنيني إليه، ذلك الحنينُ المعبَّقُ بعبقِ الزمانِ والمكانِ والتاريخِ والثورةِ والنضال”يا نجومًا سمقت مثل المنائر.. يا جزائر”.
سأذكرُ جيراني هناك، برحيقِ الأُخوَّةِ والأمكنة، حيث “يختلطُ القوسُ الموشَّى، من كلِّ دارٍ كلُّ ممشى، نتلاقى كالرياحِ الآسيويّة، كأناشيدِ الجيوشِ المغربيّة، وأُغنِّي للملايو ولباندونق الفتيّة”.. وسأذكرُ العمَّ ناصر الليبي، صاحبَ مكتبةِ الوحدة بجوارنا، وهي تُنادي طرابلسَ بالقراءة، وتُناجي أهلَ ليبيا بالوحدة – عبر إسمها.
وسأذكرُ صالونَ الحلاقةِ من أمامنا وصاحبيه، معتصمَ التونسيَّ ورجبَ المصري، وسأذكرُ “فلافل لبنان” على يسارنا، العمَّ عامر اللبناني وصاحبَه العربي، تبادلنا تحية الصباح، نوبات الحرس البلدي عند الظهيرة. التي تؤدي إلى إغلاق بعض المحلات بحجة عدم الترخيص وغيرها، آهٍ من الغربة، ودواعي الاغتراب ومرارة “أكل العيش”، والأسئلة التي لا تنتهي، ما المنفى؟ وما هو الوطن؟ وما العروبة؟ وما الاسلام؟ وما روابط الدم والإخاء والجيرة، بل وحتى القارة؟ .. “عربٌ وأفارقة”. وتداعت الذكريات مع العم عامر، فحضَر ذكرُ جمال، سفير السودان في لبنان، حين قدَّم أوراق اعتماده قائلًا: “لبنان، يا أجمل بلاد الله، والخلد إختراعُ” وتتابعت الخواطر عن بيروت، عروس الستينات، مهوى الافئدة، وملجأ الساسة.
كما حضرت قصيدةُ المحجوب، الشاعر الوزير، التي يصف فيها لبنان وطبيعته: “الله يعلمُ كم في الثغرِ من مرحٍ وكم بسفحك يا لبنانُ من إربِ، وكم بقلبي من حبٍّ وعاطفةٍ نحو الشآمِ وذاك الساحلِ اللُّجُبِ).. أبياتٌ ووشائجُ طالما رددتُها للعم عامر، فأطربت سمعه وأرهفت وجدانه، وأهاجت حنينه إلى لبنان، مَلِكِ الجبالِ وأُرزِها.. لا فلافلِها.
سأذكرُ كلَّ جميلٍ هناك في شارعِ الوادي، حتى العصافيرَ في أقفاصها، وهي تتطلّعُ إلى الحرية، ولا تعلمُ أنَّها في حبسها تُضفي جمالًا على المارّةِ والشارع. ولكن؛ هل يكونُ الجمالُ دونَ حرية؟ لعلَّ الجمالَ الذي رأيتُه كان في تطلِّعِها ذاك إلى الانعتاق والحرية.
سأذكرُ خُطايَ هناك وئيدًا، في كلِّ وادٍ، وفي كلِّ ممشى.
تلك هي طرابلسُ، يا سادتي؛ لا تزالُ تحتفي بالقادمين من كلِّ البلاد، بتنوّعهم وحِرَفهم وأرزاقهم ومعاشهم. ولا يزالُ فيها بقايا من حنينٍ وأُلفة، وإن غطَّت عليها بعضُ رُكامِ الحرب، وتركت على بعضِ ملامحها شحوبًا. غير أنَّ يقيني راسخٌ بأنَّها ستُجدِّدُ شروقها، كعروسٍ لا تشيخ، وبياضٍ لا يزول، ما دامَ موجُ البحرِ الأبيضِ المتوسطِ يغسلُ وجهَها عند كلِّ صباح.
(4)
الحياةُ تمضي بنا، ولا تتوقَّف يا صاحبي، ولا تنتظرُ أحدًا. هي نهرٌ جارٍ؛ ليس من طبعها الكمالُ، ولا استقامةُ الأقدار. متقلّبةٌ غيرُ ثابتة؛ عميقةٌ وسطحية، تجمعُ وتُفرِّق، تحنو وتقسو، تُسرِع وتُبطِئ. لكنها تمضي بسُنَنِها وتقاليدِها التي سنَّتها منذ الأزل، طورًا إثرَ طور. ولا بدَّ من مُسايرتِها بجهدٍ وإتقانٍ في السعي إليها، ورسمِ لوحةٍ جميلةٍ فيها، وتركِ سيرةٍ عطرةٍ لنا، ونُبلٍ لا ينمحي مع الزمان، ومتانةٍ في الخُلُق والزمالة، نُجمِّل بها الحياةَ سمتًا فوقَ سَمتْ.
(5)
دربٌ يؤدي لدربٍ جديد، وخلفَ المسافاتِ وعدٌ وعيد، وحلمٌ بعيد. هنا سأبدأ حياةً جديدة، وأُلفةً جديدة. ثم تمضي بنا الحياةُ إلى ما تريد، وما يريده المصيرُ المقدور.. فوق الإرادة والقدرة.
وأنت يا صاحبي، وقارئي العزيز، خذِ الكتابَ بقوَّة، وعرِّجْ علينا في دارنا «مكتبة النبلاء»، وكن قارئًا، وكن نبيلًا.
إذْ «ليس إلا النبيلُ في الكونِ من يحفظُ ودًّا ويصونُ صديقًا» – كما قال التجاني يوسف بشير في «إشراقته» الخالدة، وحياته القصيرة. وما الحياةُ دون جديدٍ يُدهشك؟.. وما الموت؟.. “هذِهِ ذُرِّيَّتِي يا أبَتِ”!.
________________ .



