مقالات وآراء

بين اللغة والرطانة.. لماذا يحتاج السودان إلى ثورة ثقافية لإنقاذ لغاته وتراثه

من أكثر المفاهيم التي ترسخت في الوعي السوداني دون مراجعة، ذلك الخلط بين مفهومي اللغة والرطانة.
فقد درج الناس على إطلاق كلمة “الرطانة” على كل لسان غير العربية، حتى أصبح الوصف يتكرر في الحياة اليومية والإعلام والخطاب العام، دون التفات إلى ما يحمله من دلالات ثقافية ونفسية، أو إلى ما يترتب عليه من آثار في تشكيل نظرة المجتمع إلى مكوناته اللغوية والثقافية.
وهذه ليست قضية لغوية بحتة، وإنما قضية ترتبط بالهوية، وبالعدالة الثقافية، وبطريقة بناء الدولة الوطنية.
فالدول لا تنهض فقط بالاقتصاد والسياسة، وإنما تنهض أيضاً باحترام ذاكرتها الجماعية، واللغة هي الوعاء الأكبر لهذه الذاكرة.
علم اللغة لا يعرف مصطلح “الرطانة” بوصفه تصنيفاً للغات.
فاللغة هي منظومة متكاملة للتواصل، تمتلك أصواتها ومفرداتها وقواعدها وتراكيبها، وتمكن الإنسان من التعبير عن كل ما يدور في عقله وحياته.
وقد تكون مكتوبة أو شفاهية، واسعة الانتشار أو محدودة، لكن ذلك لا ينقص من قيمتها العلمية شيئاً.
أما كلمة “الرطانة” فهي تعبير نسبي قديم، يقصد به الكلام الذي لا يفهمه السامع.
فما يبدو رطانة لشخص قد يكون لغة أم لشخص آخر.
ولذلك فإن وصف لغات الفور أو الزغاوة أو المساليت أو النوبية أو البجاوية أو غيرها بأنها “رطانات” لا يعكس حقيقة علمية، بل يعبر عن زاوية نظر من لا يفهم تلك اللغة.
وربما لم يكن هذا الاستخدام يحمل في الماضي نية الانتقاص، لكنه مع مرور الزمن ساهم في ترسيخ شعور لدى بعض المجموعات بأن لغاتها أقل قيمة من غيرها، وأن ثقافاتها تقع في مرتبة أدنى.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ لأن التقليل من شأن اللغة هو في جوهره تقليل من شأن الإنسان الذي يتحدث بها.
فاللغة ليست مجرد كلمات، بل هي سجل للتاريخ، ومستودع للحكمة الشعبية، ووعاء للأمثال والأغاني والأساطير والعادات وأنماط التفكير.
وكل لغة تحمل رؤية خاصة للعالم لا يمكن نقلها كاملة إلى لغة أخرى.
وعندما تموت لغة، فإن الذي يختفي ليس قاموساً من المفردات، وإنما جزء من ذاكرة البشرية.
والسودان من أكثر الدول ثراءً في هذا الجانب.
فهو يضم عشرات اللغات التي تراكمت عبر آلاف السنين، وتشكل معاً لوحة حضارية نادرة.
غير أن هذا الثراء ظل في كثير من الأحيان يُنظر إليه باعتباره عبئاً سياسياً، بينما كان الأجدر أن يُنظر إليه باعتباره رأس مال ثقافياً يمكن أن يجعل السودان واحداً من أكثر الدول تميزاً في إفريقيا والعالم العربي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ثورة ثقافية حقيقية، لا بمعنى الصدام مع الماضي، ولا بمعنى إقصاء لغة لصالح أخرى، وإنما بمعنى إعادة الاعتبار لكل اللغات والثقافات السودانية باعتبارها ملكاً للوطن كله.
إن هذه الثورة تبدأ بتغيير المفاهيم قبل تغيير السياسات.
تبدأ بالاعتراف بأن جميع اللغات السودانية تستحق الاحترام، وأن العربية نفسها لا تفقد مكانتها عندما تُصان اللغات الأخرى، بل تزداد قوة لأنها تصبح لغة جامعة داخل وطن يشعر جميع أبنائه بأن ثقافاتهم محترمة.
ثم تأتي الخطوة التالية، وهي توثيق هذه اللغات، وجمع تراثها الشفهي، وإعداد معاجمها، وتشجيع الدراسات الأكاديمية حولها، وإدخالها في مراحل التعليم الأولى في البيئات التي تتحدث بها، حتى ينشأ الطفل معتزاً بلغته الأم، وقادراً في الوقت نفسه على إتقان العربية والانفتاح على اللغات العالمية.
كما ينبغي أن تمتد هذه الثورة إلى الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية والحكايات والأزياء والرقصات والمواقع الأثرية، لأن التراث وحدة متكاملة، ولا يمكن فصل اللغة عن البيئة التي نشأت فيها.
إن الدول التي نجحت في إدارة تنوعها لم تفعل ذلك بإذابة الثقافات المختلفة، وإنما بحمايتها وإدماجها في المشروع الوطني.
فالتعدد الثقافي عندما يُدار بحكمة يصبح مصدر إبداع وقوة، أما عندما يُدار بالإنكار أو الاستعلاء فإنه يتحول إلى مصدر توتر وصراع.
ولذلك فإن مستقبل السودان لن يُبنى على فكرة الثقافة الواحدة أو اللغة الواحدة، وإنما على فكرة الوطن الواحد الذي يتسع لجميع لغاته وثقافاته.
فالاعتراف بالتنوع لا يهدد الوحدة، بل يحميها، لأن الإنسان يدافع عن الدولة التي تحترم هويته، لا عن الدولة التي تطالبه بالتخلي عنها.
إن الثورة الثقافية التي يحتاجها السودان اليوم ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية.
وهي ثورة تبدأ بإعادة النظر في الكلمات التي نستخدمها، وفي مقدمتها كلمة “الرطانة”، التي آن الأوان لأن تفسح المجال لمصطلح أكثر عدلاً واحتراماً هو “اللغات السودانية”.
فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد لغاتها، وإنما بقدرتها على صونها، ولا تُبنى بإقصاء الذاكرات المتعددة، وإنما بتحويلها إلى ذاكرة وطنية جامعة.
وعندما يدرك السودانيون أن كل لغة يتحدث بها أحد أبنائهم هي صفحة من تاريخ السودان، سيصبح التنوع اللغوي والثقافي أحد أعمدة الوحدة الوطنية، لا أحد أسباب الانقسام.

تعليق واحد

  1. هل لا زلت مقتنعا بان حدود دولة دارفور تشمل المتمة وشندي،؟؟..

    يا مخارج الجمل من فرج الناقةخارجنا من دارفور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..