اكذوبة البيع المخفض

نبض المجالس
تعتقد الحكومة أو بالأحرى “تتوهم” أن سياسة فتح أسواق البيع المخفض يمكنها أن تطفئ نيران الأسعار “الملتهبة” وأن بإمكان المواطن أن يجد ضالته من ضروريات ولوازم معاشه، لكن واقع الحال ينفي كل هذه الاعتقادات والتوهمات، فأسواق البيع هذه مجرد “وهم” وأكبر أكذوبة لا فرق بينها وبين “سوق الله أكبر” إلا بالقدر الذي لا يبلغ مداه سوى خيط العنكبوت ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين أسواق الحكومة والأسواق العامة وهو خيط لا يكاد يُرى بالعين المجردة مما ينفي عن هذه الأسواق قدرتها على إطفاء نيران الأسعار أو تخفيف حدة المعاناة عن المواطنين ولو بقدر يسير.
والأسوأ من كل ذلك أن تصبح هذه الأسواق ساحة أخرى للجشع والفوضى وعد الالتزام بالأسعار المعلنة من قبل الحكومة في ظل غياب الرقابة، خصوصاً أن كثيراً من المواطنين انفضوا من هذه الأسواق لقناعتهم بأن ما يعرض في أسواق البيع المخفض لا يعكس حقيقة ما تتحدث عنه الحكومة من حيث الأسعار ولا حتى من حيث الجودة والنوعية، فالأسعار هنا لا تستقر على حال ولكنها تتبدل على رأس كل ساعة، فلو أن أي مواطن اقتنع بهذه الأسواق وبفكرتها وجدواها وذهب الى هناك فإنه سيتفاجأ بأن أمام كل سلعة في لوحة “الأسعار” أكثر من سعر وأكثر من “تعديل” للسلعة الواحدة دون يسألهم أحد..!.
فليت الإخوة المسؤولين في حكومة الولاية ووزارة التجارة والمواصفات وجمعيات المستهلك وغيرها من الآليات المعنية بضبط ومراقبة الأسواق ليتها تخرج من مكاتبها لتتحسس وقع الأزمة الاقتصادية على المواطنين؟.. كيف يبدعون وينتجون “العبقريات في تطويع المستحيل من أجل مجاراة مطلوبات “قفة الملاح”، وعلى هؤلاء المسؤولين أيضاً أن يخرجوا الى “الميدان الفسيح” للتطواف على أسواق البيع المخفض وقياس أسعارها بأسعار الأسواق العامة، وحتى لا نتهم بالافتراء أو التجني على السياسات الحكومية فدعوا الحكومة لأن تخرج وبكل آلياتها وأذرعها الخاصة لزيارة سوق “أبوحمامة” كنموذج للبيع المخفض حينها سيتأكد لهؤلاء أنهم يحرثون في البحر و”لا يبالون” وأن الشعارات المرفوعة لضبط الأسواق ورفع المعاناة عن المواطنين هي فقط مجرد شعارات ولا شيء سواها فلا يمكنها أن تصبح حقيقة أن لم يتبع القول فعل وإرادة.
وذات الشيء الذي تعاني منه أسواق البيع المخفض ربما ينطبق تماماً بكل تفاصيله “الموجعة” على أسعار الدواء بالصيدليات “الحكومية” فتلك هي حكاية أخرى أكثر إيلاماً ووجعاً أقرت بحقيقتها الأستاذة “امتثال الريح” رئيسة لجنة الصحة بالبرلمان وهي التي كانت تتحدث للصحافة أمس بأن أسواق الدواء تعاني أيضاً من مظاهر الجشع وعدم الالتزام بديباجة الأسعار، وذهبت إلى أكثر من ذلك وهي تقر أيضاً بأن الدواء أصبح (كما البصل والطماطم) يباع في الأسواق بلا ضوابط، لكن يبدو أن أقصى ما يمكن تقدمه هذه اللجنة البرلمانية في منطلق دورها التشريعي والرقابي أن تطالب “مجلس الصيدلة والسموم” للتدخل الفوري لحسم فوضى الدواء وتقديم المخالفين الى محاكم فورية.. ولكن “من يحاكم من”؟ أما القضية التي ما زلنا ننتظر من يفك “شفرتها” وهي قضية تلك الشركات التي “أهدرت” دولارات البنك المركزي؟.



