مقالات وآراء

دارفور لم تتعافَ ولكن!

في يوم 25 أبريل 2003 تلقّت مدينة الفاشر الضربة الأولى من التمرد الذي قاده دكتور خليل إبراهيم ثم اجتاح دارفور كلها، وخليل خرج غاضباً من حكومته لأنّه دَعمها وسَاهم في تمكينها ونَصبته أميراً بلا إمارة حين كانت تحتاجه وحين اشتد ساعدها رمته ولم تُقدِّر مُساهماته، أراد أن يكيل لها الصاع صاعين ولكنه خرج من الدنيا قبل أن يحقق هدفه، وحين مضى مضت معه ثورته وانتهى المشوار الذي ترك الكثير من الجراح على جسد دارفور، اليوم يمضي على ذلك التاريخ 15 سنة كاملة عانت فيها دارفور مُعاناة كبيرة، ودفعت الكثير الذي لا يُعوّض وعاشت أياماً سوداء فعلاً، ورغم أنّها اليوم بخير مُقارنة بتلك الأيام وتشهد تحسناً كبيراً وبدأ سواد تلك الأيام ينقشع وبدأت في التعافي ولكنها لم تتعافَ تماماً! فما زال في جسدها الكثير من الجراح التي تحتاج العناية.

هذه الأيام تزور الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي بمناطق النزاعات (براميلا باتن)، إقليم دارفور، وقالت إنّ المنطقة تعافت من أيام الحرب السوداء وإنّ زيارتها الحالية تجئ للوقوف ميدانياً على التحسن الكبير الذي طرأ على الأوضاع الأمنية لا سيما وضع المرأة وذلك بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2363) والذي أصدره أخيراً بشأن تحسن الأوضاع، وكشفت عن توقيع بيان مُشتركٍ مع الحكومة السودانية خلال الأيام المقبلة بهدف مُكافحة العُنف الجنسي تنفيذاً للمُبادرة التي تَقودها في هذا الشأن.

والي ولاية شمال دارفور قال إنّ ولايته قد تعافت من الحرب تماماً وتوجّهت صوب تحقيق التنمية والعمل على إجراء المُصَالحات بين مُكوِّنات المُجتمعات المحلية لرتق النسيج الاجتماعي وإزالة ما عُلِّق بالنفوس من إفرازات الحرب السالبة. هذا الكلام ستسمعه المَسؤولة الأممية من جميع الولاة والمسؤولين فهم جميعاً يعتقدون أنّ ما عُلِّق بالنفوس أمرٌ مقدورٌ عليه ما دامت الحَرب قد وضعت أوزارها، مع أنّ مُحاربة إفرازات الحرب وما عُلِّق بالنفوس هو العمل الأصعب، وإن لم يجد العلاج الصحيح قد يؤدي إلى حربٍ أسوأ، والآن لا يُمكن أن نقول إنّ دارفور قد تعافت تماماً ما لم ينتهِ ما عُلِّق بالنفوس، وهذا لا تُعالجه الاتفاقيات ولا المفاوضات ولا التسويات السياسية، بل يُعالج ببناء الثقة وجبر الخواطر ورد المظالم وتغذية الناس بالسلام من الداخل، فالسلام إن لم يولد في دواخلهم لن يصبح واقعاً معاشاً، وهذا ما لا تمضي فيه الحكومة بشكلٍ جيدٍ وتريد أن تتركه لزمن ليعالجه وهذا سيؤدي إلى مشاكل لن تتوقّعها الحكومة، وأرجو أن لا تعتقد أنّ دارفور قد تعافت تماماً وتتغاضى عما تبقى من مطلوبات، فما زال هناك الكثير الذي يجب أن تقوم به.

الشيء المُهم من كل ذلك هو أن يسعى أهل دارفور إلى مُساعدة أنفسهم وبعضهم البعض، وعليهم أن لا يتوقّعوا الكثير من الحكومة ولا المُجتمع الدولي، فهم إن سكت السلاح والصراخ لا يشعرون بأوجاع النفوس ولا يسمعون أنينها، ولذلك تعاونهم وتواددهم هو الذي سيُوصِّلهم إلى التعافي التام والمضي قُدُماً.
التيار

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..