جاء يطبُ زُكاماً فأورث جُزاماً

لا يُعاب على الصحفي تناوله أحداث اليوم ذات الطبيعة العنقودية الدينامية، التي تتناسل وتتفرع دون مراعات لقانون الكيف ولا الكم، فالأحداث بلا شك تتسارع بوتيرة تُعجز أنشط صحفي على اللحاق بها، فتراه يقضي الليل في توصيف قضية ويحدوه أمل السبق، فيفجؤه ضحى الغد أن ما كتب محضُ تاريخ لا يمت للواقع بصلة، لأن قانون القفزة التطورية (بحسب الأدب الماركسي) ربما يمايز بين القضية الأم وما أفضت إليه من قضايا، فيتعذر نظرياً الربط بين الواقع والشروط التي أنتجته، فتصبح كل الأخبار (لقيطة) بلا ناظم.
مازال الصحفي يحتفظ بدوره (المقدس) والمؤثر جداً في تشكيل (الرأي العام) ومنظور المواطن لمجريات الأحداث، ذلك رغم مزاحمة وسائط التواصل الاجتماعي التي أضحت تسبقه بخطوات في نقل الحدث، ولكن يبقى خبر الوسائط (محايد) تهيمن عليه العبارة دون الإشارة، إلى أن تتدخل فيه يد (الصحفي) بالتأويل والتحليل والتفكيك والتركيب فيحيله (خلقاً آخر).
تبرز الخطورة عندما تصبح قضايا الوطن الكبرى (مجرد أحداث)، تمتزج بأخبار اليوم والغد التي يُنسي لحاقها سباقها، في مشهد استهلاكي-درامي-كلامي ينتهي به الأمر غالباً على شكل مشهد هزلي على لسان (مساطيل) وسائط التواصل الاجتماعي، ثم ما يلبث أن يضحك الجميع وينفض السامر، حيث لم تعد هنالك فوارق تفصل بين ما هو (وجودي) يمثل شرط لبقاء كيان الوطن، وبين ما هو خبر عابر يفقد حيويته عند الغروب.
يصاب المتابع للأخبار بالغثيان والهذيان والدوار عندما يقرأ خبر صادم يمس وجود الوطن مثل (تسريب امتحانات الشهادة) أو اتخاذ رئيس حزب تقليدي بتغيير كامل فلسفة الحزب عبر (خطاب) لا يشركنا كمواطنيين وأعضاء (محتملين) بالضرورة الفكرية الديمقراطية التي أرساها هو كموجه لحزبه.
عملية الخلط الغير بريئة، بطبيعة الحال، التي تُمارس لخلط الأحداث في ذهن (المواطن)، تنبئ بحجم الكارثة التي تحيق بهذا الوطن، حتى أصبح تسريب امتحانات الشهادة مجرد (خبر)، ما لبث أن تراجع في اليوم التالي مفسحاً الطريق للأخبار الأخرى، لا لشيئء سوى أن (الجديد شديد).
كان متوقعاً من أساطين الصحافة، معارضة وموالاة، أن يفردوا مساحة دائمة لمتابعة خبر تسريب الامتحانات، بغية أن تترسخ خطورة الحدث في أذهان العامة، لتتحول هذه الخطورة إلى أزمة ترفع من مستوى الوعي لدى المواطن وتملِّكه أدوات التعبير الكفيلة بأن تحافظ له على حقوقه واستثماراته الهائلة في أطفاله، وأن تمنع أو على أقل تقدير تُحِد من مثل هذا التهاون والعُهر الأخلاقي.
ولكن غياب (الوجيع) الرشيد الذي يتابع الحدث ليملأ (فراغ الخبر) الذي يسد الباب على (هواة ومحترفي) قتل الأخبار ذات الأثر والثقل، ومن ثم تصعيد قضية تسريب الامتحانات إلى قضية رأي عام بامتياز لتصبح قاطرة تقود إلى تغيير مفاهيم نُظم الحكم في البلاد، هذا الغياب الفاضح قتل الخبر في مهده.
السطحية في تناول الخبر خلقت من وزيرة التعليم في وسائط التواصل الاجتماعي مادة للتندر والتفكه من ناحية ورمز بطولة وصمود بتحديها لأي محاولة للمحاسبة من ناحية أخرى، حتى ما عدنا ندري هل ما ينسب لها من تصريحات مصدره خيال مستخدمي الهواتف الذكية أم أنه الواقع الحزين.
ولسان حالنا يقول (جاء يطب زُكاماً فأورث جُزاماً) وبالعامي جاء يكحلها عماها، فبدل أن تعالج الصحافة قضية تسريب الإمتحانات والحد من دكتاتورية رؤساء الأحزاب والحركات الذين يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال وقلبهم باسط ذراعيه للحكومة، حولت المواطن إلى كائن غير مكترث بما يدور حوله فاقد الثقة في كل شيء، حتى أصبحت جميع الأحداث على قدم المساواة من انقلاب رقشة إلى سفر فنانة إلى تسريب امتحان، فقزَّمت ما هو عملاق وعملقت ما هو قزم، حتى ضاع الإنسان.
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..