مقالات وآراء

إلى طلاب الشهادة السودانية صناع الأمل في أمة تبدأ الآن

السر جميل 

إن عظمة الأمم لا تقاس بماض نتغنى به، ولا بأمجاد غابرة تستند إليها، بل تقاس بقدرتها على الاستجابة لصدمات الواقع، والنهوض من تحت ركام الكوارث لتبني مستقبلها بوعي جديد وعزم لا يلين. حين تمر الشعوب بمراحل التردي، فإن أولى خطوات التعافي هي المكاشفة الجريئة والنقد الذاتي الصارم، فالأمة التي تغمض عينيها عن عيوبها تسقط في غياهب التاريخ ولا تقوم لها قائمة.
إن ما آل إليه واقعنا اليوم يستدعي لحظة صدق حاسمة، فبينما خاضت الأمم الحية معارك الفضاء والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، نجد بعض المحسوبين على الفكر والعلم عندنا غارقين في سجالات جانبية، فعلماؤنا احتدم الصدام بينهم في السواك بالمسواك، ومشايخنا يصورون لنا الجن هالة من الخطر الذي يمحو وجودنا، وأساتذة جامعاتنا في ملطم طين غاطسون بأرجلهم في اختلافات الأئمة السابقين. بل إن فئة أخرى ارتضت أن تكون أداة للتبرير، فأصدرت فتاوى وبلاوي حسب الطلب لفائدة رجال أعمال يحللون لهم ما يشاؤون وحكام يشرعون لهم ما يريدون.
وفي مقابل هذا التغييب الفكري، غرق المجتمع في سبات عميق، فنحن قابعون على ساحة الحياة ملهين ما بين فيسبوك وتيك توك ويوتيوب وإكس وإنستغرام، ونأخذ راحتنا أخيرا بمكالمات مطولة على الواتساب. أما أطفالنا، وحتى لا يزعجوننا بالبكاء، نلهيهم بالأيباد طول اليوم حتى المنام. لم يقف التردي عند الإلهاء والسلبية، بل امتد ليمزق النسيج الاجتماعي، فنفتتن ببعضنا ونقصي الآخر، وبالقبيلة نعتز ونتشرزم لدرجة الحرب، وبالأحزاب السياسية نخون بعضنا، وجعلنا من قوتنا شتات ميليشيات كل يحارب من أجل مصلحته، لا وطن ولا قيم ولا مبادئ.

لقد اقتتلنا، ووزعت علينا الأسلحة من كل حدب وصوب، وسهلوا لنا وصولها بشتى الطرق، فدمرنا زراعتنا بأنفسنا، وساوينا تجارتنا بالأرض، وحتى بيوتنا نهبنا كل أثاثاتها. لم نترك متاحف ولا جامعات ولا مدارس ولا مصلحة حكومية على وجه ترابنا، فجوعنا ومرضنا، وخمس سنوات ضاعت على أطفالنا وأولادنا من التعليم.

لكن الأمم العظيمة لا تموت، ومن قلب هذا الركام تنبثق الإرادة. ومن هنا يكون التعليم بارقة أمل في أولئك الذين قاوموا كل هذه الأمواج العاتية ودرسوا وسط الركام. ولطلاب الشهادة هذه السنة وذويهم تنعقد الآمال في صناعة مستقبل أمة تبدأ من الصفر.

إن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط في العودة إلى مقاعد الدراسة، بل في إعادة صياغة وعينا لمفهوم البناء، فعلينا أن نتجاوز عقدة “ولدي دكتور ومهندس”. صحيح أننا بحاجة لتلك التخصصات ولكن بقدر، نحن اليوم في حاجة ماسة إلى تخصصات أساسية في الزراعة، والاقتصاد، والتجارة، والصناعة، والقانون، والتكنولوجيا. إنها أهم بكثير من نابغة من أولادنا يقبع في عيادة بين أربعة جدران، هذا عنده ملاريا وذاك عنده جرثومة، في حين يمكنه أن يحدث تغييرا جسيما في مجال حيوي آخر يسطر اسمه واسم الوطن في التاريخ.

انظروا حولكم. إن الدول أدركت حاجاتها حسب مواردها فعبرت وارتقت. ما الذي جعلهم يصبحون قوة ونحن ننظر إليها بذهول؟ بل نقتني منتجاتهم ونفتخر بها صناعة أوروبية وصناعة صينية، وندفع أموالنا وعرق جبيننا ودماءنا إليهم؟ كل ذلك لأننا لم نجد من يحركنا، ولم نجد من يفتح علينا باب فهم الواقع والحياة.

أقول للطلاب، صناع المستقبل ورعاة الأمل ضع نفسك في أمة بدأت الآن. إن التقدم لا يأتي بكثرة أقسام الطب والمهارات الهندسية الكلامية فحسب، وإنما يأتي بمن يدرك كيفية التغيير في أبسط مجال تحتاجه بلادنا. كن أنت المزارع الذي يحقق الأمن الغذائي، والاقتصادي الذي يبني السوق، والقانوني الذي يرسي العدالة، والتقني الذي يربطنا بالعالم.
إن النهضة لا تنتظر المنكسرين، والمستقبل لا يبنيه إلا من امتلك الشجاعة للبدء من الصفر. فلننفض عنا غبار التبعية والخلافات، ولنبدأ معركة البناء العلمي والعملي الواعي، فبكتوفكم وعقولكم تسترد الأوطان.
من سلسة مقالات للأسرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..