عمر الطيب الدوش شاعر الثورة والحب والجمال

احمد بطران عبد القادر
في تاريخ الشعر العربي الحديث كله قد لا نجد شاعراً استطاع أن يجمع بين رقة المحبوب وصلابة الثائر وبعث الأمل في بناء الحلم وتشييد قواعد راسخة من اليقين بأن باكر أحلى وأجمل تحمله إلى آفاق الممكن كما فعل عمر الطيب الدوش
فهو لم يكن مجرد شاعر بل كان معمراً للوجدان السوداني بالأمل والبشارة والكلمة الحلم والكلمة السلاح الذي يشكل غصة في ضمير المستبد
فقد عالج بالكلمة الرمزية إشكالات اجتماعية وثقافة معقدة وارتقى في سلم المقاومة ووقف شامخاً في وجه الظلم ليكسر هيبة الاستبداد ورهبة مواجهة السلطة ويرسم ملامح وطن جديد لا يعرف الخوف ولا يستكين للظلم ويسأل عن حقوقه ويحاسب المسؤول عن أي تقصير
فقد أسقط هيبة العمدة والسلطة بكلمة أقوى من كل البنادق حين قال
يا عمدة اختشي مسؤول كبير في الحلة غير الله انعدم
بهذه العبارة أرسى الدوش دعائم مفهوم مقدس للمواطنة والحقوق فالمواطن هنا صاحب السلطة والمراقب والمحاسب والمنتظر للإجابة أين إنجازك أيها المسؤول
عمر الطيب الدوش يمثل علامة فارقة في مسيرة الشعر العربي والسوداني على وجه الخصوص
فهو لم يكتف بهتاف السياسة أو نشيد العاطفة لكنه أسس مشروعاً وجدانياً لرحلة الوعي من رفض القهر إلى تحقيق الحلم
فقد جمع في شعره بين الثورة والحب والجمال وقاد مشروعاً نضالياً ضد الظلم والقهر والاستبداد
رسم من خلاله خارطة طريق تبدأ بتفكيك بنية الخوف وتشخيص المأساة ومواجهة من تسببوا فيها والدعوة للخلاص وصولاً إلى الحياة الهنية الحياة الرغدة حياة تحقق الحلم
نشأ عمر الدوش في بيئة عامرة بالحب والجمال بيئة زراعية فعرف الرعاية كيف تكون وكذلك العناية
وقد تربى على إيقاع الساقية وحكي الحقول فجاءت لغته مستمدة من التراب لغة فصيحة بسيطة في لفظها عميقة في دلالتها مؤثرة سالبة للعقول وخالبة للألباب
يقوم مشروع الدوش الشعري على أعمدة فلسفية هي ثلاثية الحب والحرية والحياة الهنية
فالدوش يرى أن الثورة الحقيقية ليست إسقاط الطاغية فحسب بل بناء عالم جميل يستحق أن نحبه ونعيش فيه بسلام ويحبنا تظلله الحرية وتجمله حياة الهناء والسعادة والفرح
فالحب عند الدوش قيمة إنسانية والحرية غاية مطلوبة لذاتها أما الحياة الهنية فهي الحلم المنشود
وقد ابتكر الدوش عامية فصيحة رفيعة حيث رفع العامية السودانية إلى مستوى الفلسفة دون أن يفقدها طعمها وبريقها الشعبي
فقد استخدم الرمز الشعبي الساقية العمدة النخل الضل ليتحدث عن قضايا كبرى مثل الاستغلال والهوية والمقاومة
وصوره ذات الخيال الخصب مستمدة من النيل والنخيل والساقية واللوحات وشهقة الزهور العطشانة
وقد كتب نصوصاً شعرية كبرى شكلت دستور الدوش الوجداني الذي أثرى به الوجدان السوداني العام
وكان ذلك نتاج دائرة مكتملة لرحلة الوعي الثوري المأخوذ من الموروث السوداني المحب للحرية والعاشق للأوطان
ويمكن قراءتها في هذه النماذج المحورية
*صحاني صوت العمدة*
صحاني صوت العمدة قال مسؤول كبير زاير البلد قلت ليه يا عمدة اختشي مسؤول كبير في الدنيا اتعدم
وهذا النص يمثل بياناً في تفكيك ثقافة الخوف ومواجهة الاستبداد في لحظة حاسمة حتى لا يقيم ويمكث ويصبح طبيعياً يتعايش معه الناس
وهنا استطاع بالوعي أن يحرر المواطن وينزع قداسة السلطة ويكسر غاموس المهابة ويطرح سؤال الحقوق والمحاسبة
ما شفنا زول رضع صغار ما شفنا زول لمم رمم
فقد علم الريف السوداني وكل المثقفين أن يقولوا لا في وجه السلطة لأن مالك السلطة موظف وليس إلهاً
وهكذا تحول المواطن من مجرد مصفق إلى سائل أو رافض أو محتج ومن هنا تبدأ الثورة
*الساقية*
في ملحمة الساقية نجد التشخيص للمأساة الوطنية في صورة تجليات عبقرية تتبين فيها المغايرة بين مجتمعات الدعم والرفاه ومجتمعات الفقر والعوز والقهر
مجتمعات عبرت لأنها حافظت على الحرية وإنسانية الإنسان ومجتمعات تخلفت بالاستبداد والقهر وعاشت أزماناً عصيبة
الساقية لسه مدورة صوت القواديس والمياه طلعت مشت متحدرة أحمد وراء التيران يخب أسيان الحق هو النضال
غناها حمد الريح وتحولت إلى نشيد قومي لأنها كشفت كيف يتم استنزاف الإنسان السوداني وكيف تنهب ثرواته وموارده ثم دعت لمقاومة الواقع لتحرير الإرادة الوطنية
وأن الحق هو النضال وأنه في ساحة مجزرة أي يحتاج لتناله إلى المواجهة والتضحية
وقد أثارت قضية الأزمة السودانية من المنظور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي
وقد انتقل النص من البكائية إلى مواجهة الظلم والاستبداد فالحق هو النضال والنصر للفاس والرجال المستمرة في الفعل النضالي في مقاومة الباطل
فالتحرير من الاستغلال دورته لا تنتهي إلا بالمقاومة وهي خارطة طريق لقوى التغيير
*الحزن القديم*
وهي تمثل ملحمة الهوية المأزومة
ولا الحزن القديم أنت بتطلعي من صحية جروف النيل تمشي معاي خطانا الألفة والوحشة
المحبوبة هنا هي الوطن والدليل جغرافيا النص سودانية خالصة
بتطلعي من غابات ومن وديان من صحية جروف النيل
والمأزق هنا من نحن
تمشي معاي خطانا الألفة والوحشة ولا البلقاهو بعرفني
وهذا هو تعريف الدوش لأزمة الهوية السودانية بين الفرح والحزن بين الانتماء والتيه
وقد ختمها بسؤال وجودي
ولا بعرف معاك روحي
*الود*
وهنا نقف مع الدوش في رثاء العقد الاجتماعي
زمان كنا بنشيل الود وندي الود وهسع رحنا نتوجع أحبك ولي بكرة
فنص الود عند الدوش ليست العاطفة بل هو العقد الاجتماعي الموروث
زمان كنا بنشيل الود وندي الود
فهذا رثاء لزمن التكافل والتواصل والمحبة الذي حطمته الغربة عن الوطن والغربة داخل الوطن والفرقة والانقلابات التي تصنع القيود وتمنع حريات التنقل والتواصل والتفاكر
ورغم مرثيته للفرقة الزمانها طويل وعلى الماضي اللي ما بيرجع إلا أن هنالك بصيص من الأمل
فالدوش رغم الحسرة يصر على أن الحب هو مشروع المستقبل
أحبك ولي بكرة
*خطابات في حمى الوطن*
وهنا نص شعري في غاية الغرابة يصور حالة الانهيار بصورة مأساوية جريئة
فتحت جوابك الأول لقيتك بتكتب بالعمار والدم مشنوقة من عينيها في الساحات
خطاباته هذه من أقسى نصوصه الشعرية حيث لقيتك يا وطن بتكتب بالعمار والدم مسلولة مشنوقة من عينيها في الساحات
جسد الوطن
بعد تشريح القبح الذي طال جسد الوطن يقدم حلوله في المقاومة بالجمال ففي عز الحزن يطرح باب الفرح
*بناديها وسعاد ملحمتا الحلم والثمن*
بناديها وبعزم كل زول بفتش ليها في التاريخ وفي المستقبل والاقيها حلم حتصدق يوم
هنا تأسيس وتقرير أن النداء لها هي وهي الثورة والمستقبل وتحقيق الحلم بالحياة الهنية
بعزم كل زول يرتاح لضحكة عيون فيها
تفتيش عن الحلم في الماضي والحاضر والمستقبل ثم اليقين بتحقيق الحلم والاقيها حلم حتصدق يوم
دقت الدلوكة ركزت شان البت سعاد شالوني بكل احترام ورموني في قعر السجن انا يا سعاد للشوق نغم
هذه القصيدة الجامعة والملحمة الشعرية التي تبدأ بالفرح بحفلة ودلوكة وتنتهي بمأساة قعر السجن
وهنا يربط الدوش بين الحب والثورة والتضحية والثمن الذي يدفعه المناضل في طريق الكفاح المرير من أجل العدل والحرية والكرامة الإنسانية
وحتى في السجن الشوق للوطن والحلم لا يموت
انا يا سعاد للشوق نغم للهم علف
*الدوش والغناء*
لم يكن الدوش ليصل إلى كل بيت سوداني لولا شراكته مع عمالقة الفن والإبداع الذين أثروا الوجدان السوداني بجميل الأداء وعظمة الألحان
محمد وردي حوله إلى نشيد قومي
وحمد الريح قدم البعد الملحمي التراجيدي في الساقية
أما عبد الكريم الكابلي فمنحه البعد الصوفي العميق في سعاد
واستطاع مصطفى سيد أحمد أن يقدم صوت المهمشين
وهكذا أصبح شعر الدوش ملكاً للشعب يتردد في القاعات والجامعات والثورات وكل المناسبات الوطنية
*أثر الدوش في الثقافة السودانية*
أولاً من خلال نصوصه وعبر الكلمة الصادقة استطاع الدوش تفكيك ثقافة الخوف بالسخرية من السلطة والسؤال المباشر والمواجهة للسلطة يا عمدة اختشي
ثانياً بناء الوعي الجمعي عبر رموز بسيطة الساقية العمدة الضل ناقش قضايا الاستغلال والهوية ترجمة السياسة إلى رموز يفهمها البسيط
ثالثاً التأسيس لشعر ما بعد الانتصار أي بعد انتصار الثورة حيث لم يكتف بالرفض لكنه استطاع رسم صورة الحياة الهنية في بناديها كنموذج لما بعد انتصار الثورة
رابعاً حفظ الذاكرة الشعبية استطاع الدوش في نص درامي شعري ومسرحي تصوير معاناة الجماهير في التعليم والهجرة والفقر قبل أن تصبح قضايا رأي عام لتصير محل اهتمام طلاب التغيير في حركة التجديد والإصلاح
*خاتمة*
أرى أن إعادة قراءة الدوش اليوم ستكشف الكثير عن إبداعه وتفرده وأنه سلطان الحرية والكلمة الرمزية
نحتاج لرجال كثر أمثال الدوش لأن بلادنا اليوم تقف عند مفترق أما أن نكون أو لا وبإذن الله ثم عزيمة النضال وجذوة الثورة سنكون كما نريد
فماذا بعد أي ما بعد الانتصار كيف نعيد بناء الوطن على أسس العدل والحرية والكرامة ليعمه السلام والاستقرار
يظل عمر الطيب الدوش هو مهندس الوجدان السوداني الحديث باقي فينا فقد استطاع أن يحول الشعر من ترف لغوي إلى سلاح وعي واستنارة ومن غناء إلى مشروع وطن
فهو شاعر الثورة والحب والجمال
رحم الله شاعر الحب والحرية والحياة الهنية



