نِحنا وين و الناس وين ..!!

سفينة بَوْح

الشعور الجماعي أو القومي بالدونية الذي ينتابنا كلما طالعنا إنجازات الآخرين ، أو تطلعاتهم نحو المستقبل ، أصبح في حد ذاته مِعولاً من معاوِل الهدم النفسي الذي يعصف بآمال الوطن والأُمة ، فالإحباطات التي نتجت من التخبط والأنانية السياسية للنظام الحاكم الآن منذ ولادته وحتى يومنا هذا كانت بمثابة القيد المتنامي الذي يُكبِّل السواعد ويمنعها من تحقيق آمالها وطموحاتها ، بدءاً بالحصول على قيمة إنسانية عالية للشعب بأكمله وحقه في الحرية والحصول على أبسط الخدمات الضرورية ، مروراً بالتمتع بظروف معيشية معقوله ، تمكِّن الناس للإلتفات إلى أشياء أخرى هامة غير اللهث وراء لقمة العيش الفقيرة والمركبات العامة في المواقف ، أهمها إفساح مجال للإبداع في حياتنا ، أو مجال للتفكر في الحالة العامة التي تحيط بالأسرة والمجتمع المحيط والوطن الكبير ، ثم وقبل ذلك كله? تمنع سلسلة الإحباطات الجماعية والشعور بالدونية ممن حولنا من شعوب ودول ، عزيمةً متأصِلة في القلوب تنشّد التغيير والبحث عن خيارات أفضل لمناهج وشخوص قادرة على قيادة هذه البلاد إلى بر الأمان ، نعم العزيمة والأمل هما مُجمل ما يجيش في صدور الذين يدفعون ثمن هذه الفوضى الشمولية التي تحكم بصولجان الحديد والنار ، يخدمها الإحساس الذي تأصَّل في قلوب أصحاب المصلحة الحقيقية من حدوث تغيير سياسي يؤدي إلى إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة بكافة قطاعاتها وفي مقدمتها الإقتصاد والتعليم والصحة والمنظومة العدلية ، وفقاً لشروط جديدة تعتمد على المساواة والتكليف بالتأهيل والأمانة والإستحقاق والمنافسة الشريفة ، وشرف المنافسة لا يمكن تعميق فاعليته في شكل ومضمون دولة المؤسسات المنشودة بعد إنسحاب دولة المؤتمر الوطني أو إنهزامها أمام طوف الإصلاح المرتقب ، إلا عبر دراسة عميقة ومؤتمرية تضم النخب السياسية والإدارية والإقتصادية الوطنية والأجنبية المتخصصة وذلك من أجل تحليل وتفكيك التشوهات التصميمية والقانونية والثقافية التي أصابت منظومة الخدمة المدنية وهياكل مؤسسات الدولة ، ليس من ناحية الشخوص وما أوجبه فقه التمكين السياسي فقط ، ولكن يشمل ذلك ما أصاب ثقافة العمل نفسها وأخلاقياته وموقعه وتفاعله مع القوانين واللوائح وقداسة العدالة والأعراف والقيَّم الأخلاقية ، فالظلم بمعناه المجرَّد هو البنية الأساسية التي تقوم عليها الآفات الهدَّامة للدول مثل الفساد المالي والإداري ، والمحسوبية ، وإنعدام الثقة في الأنظمة المالية والبنكية ، وضعف الإنتاج العام وهشاشة بنية الإقتصاد الوطني وترهل وإهتزاز مضامين تحقيق العدالة بواسطة الدساتير والقوانين ، وإتساع دائرة الشِقاق بين الفُرقاء للشعور بالغبن السياسي فيما يتعلَّق بالتداول السلمي للسلطة والإقتسام العادل للثروة ، والتنمية المُستدامة والمتوازنة ما بين المركز والأقاليم ، كل تلك القضايا والمفاهيم تحتاج إلى إعادة ترتيب وقراءات جديدة لمؤثّراتها في حالة الإحباط العام الذي أصاب الشارع السوداني ، وِفق ما أصاب البلاد و العِباد من تبعات الأنا السياسية وإقصاء الآخر ، وغياب المؤسسات السياسية والإعلامية التي تعكس صور الفساد والتجاوزات على مدى الـ 39 عاماً التي مضت من حكم الإنقاذ.

صحيفة الجريدة
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..