يا كافي الغلاء وحايد المحن

يا كافي الغلاء وحايد المحن *
دعا نفر من نشطاء وسائل الاتصال الاجتماعي إلى مقاطعة شراء اللحوم الحمراء وكذلك البيض نسبة لارتفاع أسعارها لسقف لم تعد تطاله يد الغالبية العظمى من المستهلكين مستوري الحال ناهيك عن محدودي الدخل والفقراء. ولا أدري لماذا اللحوم الحمراء والبيض بالذات مع أن هناك سلعاً أخرى عديدة مثل اللحوم البيضاء والأسماك وجميع أصناف الخضروات والفواكه والزيوت، بل كل البضائع المعروضة في البقالات ومساطب العرض الشعبي قد زيدت أسعارها وظلت تتصاعد يومياً دون أمل بعودتها للوراء أو كابح يصدها. ولعلها ليست المرة الأولى التي ينادي فيها البعض بالوقوف صفاً واحداً ضد موجة الغلاء، متخذين من اللحوم الحمراء نموذجاً، إذ سبق أن دعت جمعية حماية المستهلك لمقاطعته تحت لافتة (الغالي متروك) التي أثمرت إلى حد ما في تخفيض أسعار اللحوم لفترة وجيزة سرعان ما عادت بعدها (حليمة إلى قديما) وانطلقت عالية وبسرعة صاروخية، في حين لم تجدد الجمعية دعوتها مرة أخرى أو تنهض رقابة حكومية فاعلة أو يتوحد الناس للقيام بهجمة مرتدة قد تحقق الهدف الذهبي. وإزاء هذا الركون والاستسلام نجد أن الذين لا يستطيعون مجاراة موجة الغلاء اليومية اضطروا، لكي يحافظوا على طلوع ونزول النفس، إلى ابتداع أساليب توفيقية بين الدخل والمراد ولو كان ذلك على حساب نوعية المأكل والمشرب ومعينات دولاب الحياة الضرورية حتى لا نقول الطموحات والكماليات والتطلع لأكثر من مد الأرجل على اللحاف.
هذه المرة تم الاعلان وبصورة خجولة عن المقاطعة لمدة أسبوع يبدأ من اليوم الأول من يوليو، ولذا حين مررت قبل بداية المقاطعة على بعض الجزارات الحديثة، مدفوعاً بالحس الصحفي، وجدت تزاحماً أكثر مما كان في الأيام العادية بل لاحظت أن البعض كانوا يشترون بكميات تخزينية ربما هي (كوتة الأسبوع) بدلاً من احتياج اليوم الواحد، ثم حين كررت المرور أثناء فترة المقاطعة لمعرفة مدى الاستجابة ذهلت لأن المشترين كانوا بذات الكثافة المعتادة رغم أن بعض أصحاب الجزارات مدو ألسنتهم للمقاطعين وزادوا السعر أكثر مما كان عليه قبلاً دون أن نسمع تذمراً من جل المستهلكين أو انصرافاً جاداً عن تعاطي الغالي الشيء الذي يزيد من حيرة المراقب لواقع الحال ويربك دراية وعلم العارف ببواطن أمور الاقتصاد. وفي واقع الأمر أن المشترين الذين تأملت وجوههم وهندامهم كانوا من الفئة (المرطبة) دون كثير عناء أو جهد عملي واضح المعالم. وقد تكون المقاطعة بائنة على تلك الجزارات الشعبية أو المتراصة في الأسواق حيث يتم التعامل فيها مع المستهلكين البسطاء حسب احتياجهم وربما بأقل من نصف الكيلو أو الربع الذي يعرف شعبيا بـ (مس كول).
وإذا نجحت المقاطعة في إجبار الجزارين على تخفيض أسعار اللحوم الحمراء عشرات الجنيهات لا يعني ذلك زوال شبح الغلاء، فليس باللحم وحده يعيش الإنسان، لأن هنالك مصفوفة غذائية مكملة لمكونات أطباقنا المعروفة كالخضروات، كما أن هنالك بدائل اللحوم الحمراء لا زالت ترفع أنفها في السماء متحدية جميع المستهلكين الذين يتوجب عليهم تكرار وتنويع السلع المراد مقاطعتها من وقت لآخر سواء حققت المقاطعة النجاح الكامل أو النسبي، فالتحكم في أسعار السلع المرتبطة بقوت الناس يحتاج إلى رقابة حكومية حازمة ومحاكم ناجزة، ولا يجب أن يترك لمبادرات المستهلكين الموسمية وحدها.
*عنوان هذا المقال مأخوذ بتحريف من مقولة الجدات حيث كن يقلن حين يكون هناك ما يوحي بقدوم الضرر أو الخسران: (يا كافي البلاء وحايد المحن) ، والمعني المقصود هو أن يكفيهم الله شر البلاء ويبعد عنهم المحن أو هكذا كنت أفهم.
صلاح يوسف
[email][email protected][/email]



(المس كول) يساوي نصف الربع ،، يعني (تمن)، يعني 125 جرام، وهو ما يعادل ثلاث قطع لحم لا يزيد حجم الواحدة منها عن حجم فنجان الجبنة.
(المس كول) يساوي نصف الربع ،، يعني (تمن)، يعني 125 جرام، وهو ما يعادل ثلاث قطع لحم لا يزيد حجم الواحدة منها عن حجم فنجان الجبنة.