مقالات وآراء

هذا هو حيدر إبراهيم !

* رحل اليوم في القاهرة المفكر والكاتب وعالم الاجتماع السوداني د. حيدر إبراهيم علي، بعد مسيرة طويلة من العطاء الفكري والوقوف إلى جانب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. رحل في وقت كان السودان أحوج ما يكون فيه إلى أمثاله من المثقفين الذين لم يكتفوا بالكتابة عن الحرية، وإنما وقفوا معها في المواقف الصعبة ودفعوا ثمن مواقفهم.

* عرفتُ حيدر إبراهيم عن قرب من خلال العمل الصحفي والنشاط الديمقراطي. كان من أقوى الداعمين لتجمع الصحفيين الديمقراطيين، الذي كان يضم الصحفيين المعارضين لنظام الإنقاذ من مختلف الاتجاهات، وكنتُ عضواً في لجنته التنفيذية إلى جانب آمال عباس والحاج وراق وأمل هباني وآخرين.

* فتح لنا حيدر، بكل أريحية وسعادة، أبواب مركز الدراسات السودانية في الخرطوم 2 لنجتمع فيه، في وقت كان النظام يمارس فيه أقصى درجات القمع ضد الصحفيين والنشطاء. ولم يكن يكتفي بفتح الأبواب، بل كان يحرص بنفسه على تأمين الاجتماعات وحماية المشاركين فيها، ورغم أنه لم يكن عضواً في التجمع، فإنه كان يشاركنا الأفكار والبرامج، ويقدم لنا ما يحتاجه العمل من سند فكري ومعنوي، وظلت داره ومركزه مفتوحين للصحفيين والكتاب والاتحادات والتجمعات المناهضة للسلطة، إلى أن أُغلق المركز بواسطة السلطات في عام 2012، كما كان حيدر حاضراً معنا في الأنشطة الفكرية والمهنية والصحفية المدافعة عن الحرية وحقوق الإنسان، ولم يكن يتخلف عن ندوة أو نشاط ندعوه إليه.

* أذكر من ضمن الاعتقالات الكثيرة التي تعرضتُ لها خلال حكم نظام المخلوع البشير، اعتقالي قبل ساعات من طلوع فجر الاول من يناير عام 2005 بواسطة جهاز الأمن والمخابرات من منزلي في أم درمان، ثم أُودعت سجن كوبر، بسبب مقال نشرته في صحيفة «الصحافة» تحت عنوان «لا حياة لمن تناشد»، انتقدتُ فيه رئيس النظام الذي يكثر من اصدار التوجيهات بدون ان يستمع إليه احد من المسؤولين، ولا يسألهم ولا يحاسبهم عن تجاهلهم لتوجيهاته وشكاوى المواطنين.

* أعلن جهاز الأمن يومها أن اعتقالي تم بموجب المادة 30 من قانون الأمن الوطني (المساس بالأمن القومي أو رموز الدولة) وعقوبتها السجن المؤبد او الاعدام، واتهمني بالتطاول والغمز واللمز والسخرية من رئيس الجمهورية. هاجت الدنيا في السودان ولم تهدأ إلا بعد خروجي من المعتقل والتحقيق معي وتحويل القضية إلى المحكمة، التي لم تنعقد حتى اليوم.

* كان حيدر إبراهيم من أكبر الداعمين لي في تلك المحنة، وإلى جانبه الحاج وراق وآمال عباس وياسر عرمان ومرتضى الغالي ومحجوب عروة ونورالدين مدني وأمل هباني وتجمع الصحفيين الديمقراطيين وشبكة الصحفيين السودانيين ومعظم الاحزاب السياسية، وآلاف الكتاب والصحفيين في الصحف والمواقع الصحفية، الذين كتبوا ورفضوا اعتقالي وأعلنوا تضامنهم معي، فضلاً عن أعداد كبيرة من السودانيين داخل البلاد وخارجها. ولا أنسى لهم جميعاً ذلك الموقف العظيم.

* لكن حيدر إبراهيم لم يكن يحتاج إلى مناسبة شخصية لكي يقف مع الحرية، فلقد كانت جزءاً أصيلاً من شخصيته ومشروعه الفكري. وقف ضد الاستبداد، وانتقد الإسلام السياسي، ودافع عن الديمقراطية والتعدد وحقوق الإنسان، وظل يقول ويكتب ما يؤمن به في مواجهة السلطات، من غير أن ينتظر منها رضاً أو مكافأة.

* كان يمكن لحيدر أن يكتفي بدوره الأكاديمي وبكتبه ودراساته، لكنه اختار أن يكون حاضراً في معركة المجتمع، وأن يجعل من مركز الدراسات السودانية منبراً للبحث والنقاش والعمل العام، لذلك لم يكن رحيله فقداً لمفكر وعالم اجتماع وكاتب كبير فحسب، وإنما فقداً لرجل كان وجوده سنداً للذين يقاومون القهر ويطالبون بالحرية.

* سيبقى حيدر إبراهيم في ذاكرة السودان من خلال كتبه وأفكاره ومواقفه، ولكن الذين عرفوه عن قرب سيذكرون شيئاً آخر ربما كان أهم من كل ذلك ،أنه كان يفتح بابه عندما يغلق الآخرون ابوابهم.

* رحم الله حيدر إبراهيم علي، وألهم أسرته وتلاميذه وأصدقاءه ومحبيه الصبر، ولعل أفضل ما يمكن أن نقوله في وداعه، إن السودان لم يفقد اليوم مفكراً وكاتباً كبيراً فقط، بل فقد واحداً من أولئك الذين ظلوا، طوال حياتهم، في الجانب الصحيح من معركة الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..