
في ظل هذه الحرب التي تعصف بالسودان منذ أكثر من عامين، ومع الانهيار المتواصل لمؤسسات الدولة وتفكك بنيتها، برز إلى السطح مجدداً النقاش حول شكل الانتقال السياسي المطلوب، وتحديداً حول إمكانية انتقال السلطة إلى المدنيين دون إشراك المؤسسة العسكرية أو التيار الإسلاموي في ترتيبات المرحلة المقبلة، وهذا المطلب لا يعبر فقط عن رغبة سياسية لفئة محددة، وإنما نتيجة لتحليل موضوعي لتاريخ الدولة السودانية وطبيعة الصراع القائم فيها، بالإضافة إلى الشواهد التي أفرزتها الحرب الحالية وتراكم التجارب السابقة، فضلاً عن المرجعيات القانونية التي تحكم ترتيبات الانتقال في الدول الخارجة من النزاعات.
فمنذ استقلال السودان، ظلّ الصراع الحقيقي يدور حول طبيعة الدولة ووجهتها، وليس حول من يحكمها فقط، وقد برز في هذا السياق مشروعان متناقضان، الأول (مدني ديمقراطي) قائم على دولة المواطنة والقانون، والثاني (سلطوي مركزي)، تتزعمه المؤسسة العسكرية وتحالفاتها التقليدية، وعلى رأسها التيار الإسلامي، وقد شكلت تلك الثنائية ما يُعرف في أدبيات السياسة السودانية بالدائرة الشريرة (إنقلاب عسكري ثم حراك مدني ضد السلطة المركزية، فانقلاب آخر) وقد بدا ذلك واضحا خلال ثورة ديسمبر 2018، حين رفعت الجماهير شعارات الحرية والسلام والعدالة مطالبة بإنهاء هيمنة النخب العسكرية والأيديولوجية على السلطة، لكن ما أعقب الثورة من شراكة بين المدنيين والعسكريين، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى اندلاع الحرب الحالية، كشف أن منطق المشاركة مع هذه القوى يقود لإعادة إنتاج للأزمة بدلاً من تجاوزها.
تاريخياً، لم تضطلع المؤسسة العسكرية في السودان بدور حامٍ للمسار الديمقراطي، بل كانت على الأغلب العقبة الأساسية أمامه. يتجلى ذلك في وقوع 17 محاولة انقلابية قادها الجيش السوداني (نجح بعضها وفشل البعض الآخر). تضع هذه السلسلة الطويلة من الانقلابات — وهي جزء من نحو 200 انقلاب شهدتها إفريقيا — الجيش السوداني في طليعة الجيوش في القارة التي أحدثت تأثيراً هائلاً على المسار السياسي والديمقراطي في البلاد.
ومنذ انقلاب الفريق عبود في 1958 على أول حكومة مدنية، مروراً بانقلاب جعفر نميري عام 1969، ثم انقلاب الإسلاميين بقيادة عمر البشير في 1989 بدعم من ضباط من الجيش، وصولاً إلى انقلاب 2021، ظل الجيش يتعامل مع السلطة باعتبارها امتداداً طبيعيا لنفوذه، وليس باعتباره مؤسسة دولة يفترض أن تخضع للرقابة المدنية، وقد بدا ذلك واضحا خلال الفترة الانتقالية (2019–2021)، عندما احتفظ الجيش بالملفات السيادية والاقتصادية، ورفض خضوع منظومته الأمنية للسلطة المدنية، بل على العكس، فقد قاوم بطرق مختلفة أي إجراءات متعلقة بإصلاح القطاع العسكري، بينما جاءت الحرب الحالية لتظهره كطرف رئيسي في النزاع وليس كضامن للسلام أو وحدة الدولة.
أما التيار الإسلاموي، فهو ينظر إلى مشروع التحول المدني الديمقراطي باعتباره تهديداً وجودياً له، لا سيما وأن ذلك التحول يرتبط بإجراءات تتعلق بالعدالة الانتقالية، وكشف الانتهاكات منذ 1989 وحتى الحرب الحالية، والإصلاح الهيكلي للمؤسسات العسكرية والأمنية، ومحاربة الفساد، وتفكيك منظومة التمكين التي شكلت عموده الفقري داخل أجهزة الدولة، لذلك استخدم الإسلاميون نفوذهم داخل الجيش ومؤسسات الدولة والإعلام والشارع لإفشال الفترة الانتقالية، معتمدين على التحريض وتعبئة الجمهور ضد الحكومة المدنية، ثم انخرط جزء كبير منهم في دعم المعسكرات المتحاربة تحت غطاء حماية السيادة أو مواجهة المركزية، بينما كان الهدف الحقيقي هو الحفاظ على نفوذهم السياسي والعسكري.
وفي هذا السياق، تُظهر تجارب دول أخرى عاشت صراعات مشابهة، أن إشراك الأطراف المسؤولة عن الفوضى والانهيار في ترتيبات الانتقال عادة مايؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة من جديد، ففي مصر، أدى ضلوع الجيش في إدارة المرحلة الانتقالية بعد 2013 إلى عودة النظام العسكري مجددا، بينما ساهمت مشاركة الإسلاميين في التجربة التونسية في خلق استقرار نسبي لكنه هش، فلم يصمد أمام التجاذبات، وعلى العكس من ذلك، فقد نجح التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا عندما تم إبعاد المؤسسة العسكرية عن العملية السياسية تماماً، وتم تطبيق العدالة قبل الشراكة، وهو ما حدث أيضاً في تشيلي بعد سقوط نظام بينوشيه، حيث تم تفكيك النفوذ العسكري من داخل مؤسسات الدولة قبل الانتقال إلى النظام الديمقراطي.
ومن الناحية القانونية، فإن استبعاد الجيش والدعم السريع إضافة إلى القوى الإسلاموية من ترتيبات الانتقال لا يُعد إجراءً عقابياً، بل يتسق مع طبيعة الدولة التي نصّت عليها الوثيقة الدستورية لعام 2019، حيث أكدت مادتها الرابعة على أن السودان دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة وسيادة حكم القانون، كما تضمنت الوثيقة أحكاماً لاحقة استبعدت بموجبها القوى المرتبطة بالنظام السابق من المشاركة في بعض هياكل السلطة الانتقالية، وذلك لحماية العملية من الانتكاس وإعادة إنتاج منظومة الهيمنة، وبالمقابل، فإن القواعد الدولية الخاصة بالعدالة الانتقالية، بما في ذلك ما ورد في نظام روما الأساسي واتفاقيات جنيف، تؤكد مبدأ عدم تولي الأطراف المتورطة في انتهاكات جسيمة أو في تقويض النظام الدستوري لمواقع السلطة قبل حسم ملفات المساءلة، وهو ما يجعل استبعاد هذه الأطراف ضرورة قانونية وسياسية للحفاظ على مسار الانتقال، وليس مجرد خيار تفاوضي.
ينسحب هذا المبدأ كذلك على القوى الإسلاموية التي ترتبط تاريخياً بانقلاب 1989، وبإدارة شبكات تمكين داخل الدولة، وبالتحريض ضد الانتقال الديمقراطي، وتورط بعض رموزها في جرائم إبادة جماعية في دارفور، ودعم الحرب الحالية، وكما جرى في ألمانيا بعد سقوط النازية، حيث تم استبعاد الحزب النازي من المشاركة السياسية إلى حين إعادة بناء الدولة، فإن استبعاد القوى التي تقوض النظام الديمقراطي يُعد إجراءً مشروعاً، بل وضرورياً لحماية مستقبل الدولة.
إن الانتقال القادم في السودان لا يمكن أن يكون عبارة عن تسوية سياسية، بل يجب أن يكون عملية إعادة تأسيس للدولة تقوم على السلطة المدنية الكاملة، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية تحت قيادة مدنية منتخبة، وإخضاع الاقتصاد العسكري لسلطة الدولة، وتنفيذ عدالة انتقالية شاملة لا تستثني جرائم الأنظمة السابقة ولا جرائم الحرب الحالية، وذلك يتطلب حظر مشاركة المؤسسة العسكرية والتيار الإسلاموي في السلطة الانتقالية طوال مدتها، باعتبارهما طرفين أساسيين في الأزمة، لا جزءاً من الحل.
إن إنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية يمر عبر استعادتها من منظومة القوة التي احتكرتها طويلاً وإعادة تأسيسها على قاعدة مدنية ديمقراطية لا تشارك فيها القوى التي ساهمت في تقويضها، وهذه ليست رغبة سياسية، بل ضرورة وجودية، فقد أثبتت التجارب أن كل انتقال شارك فيه الجيش انتهى بانقلاب، وكل تسوية استوعبت الإسلاميين انتهت بانتكاسة وعنف، لذلك، هذه المرة لا بد أن يكون الانتقال بلا مساومة، بلا شراكات مربكة، وبلا عودة إلى مربع الهيمنة والتلاعب، فإما انتقال مدني خالص يعيد تعريف الدولة على أسس المواطنة والقانون، أو لن يكون هناك انتقال حقيقي على الإطلاق.




هذا مقال رائع، ومن الضروري أن تكون له حلقات أخري تابعة، خاصة فيما يخص إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والمدنية؛ والإستتدلال بتجارب مثل تشيلي، جنوب أفريقيا وحتي ألمانيا بعد الحرب.
تهانينا علي هذا العمل الممتاز.