ازمة النقد عند الحزب الشيوعي السوداني

كتب / اكرم إبراهيم البكري
…………………………………………………….
منذ تأسيس الحزب الشيوعي السوداني في أربعينيات القرن الماضي، ظل الحزب يمثل أحد أهم تعبيرات النخبة الحداثية السودانية التي سعت إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفق تصورات ماركسية مستلهمة من التجربة السوفيتية وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث. وقد لعب الحزب أدواراً مؤثرة في الحركة النقابية، والاتحاد النسائي، والحركة الطلابية، كما ارتبط اسمه بمقاومة الأنظمة العسكرية وبإنتاج خطاب سياسي وثقافي حديث داخل السودان
غير أنّ الأزمة التي تواجه الحزب اليوم لم تعد أزمة قمع سياسي أو تضييق تنظيمي فحسب، بل تحولت إلى أزمة بنيوية وفكرية تتعلق بطبيعة الوعي الحزبي نفسه، وبقدرته على ممارسة النقد الذاتي والانفتاح على التحولات العميقة التي شهدها السودان والعالم خلال العقود الأخيرة. فالكثير من المراقبين والباحثين باتوا يلاحظون أن الحزب الشيوعي السوداني، شأنه شأن عدد من الأحزاب العقائدية العربية، أصبح يتعامل مع أي نقد فكري أو سياسي باعتباره استهداف وجودي للحزب، لا باعتباره ممارسة طبيعية في المجال السياسي والفكري
وهذه الظاهرة ليست معزولة عن الإرث التاريخي للأحزاب الأيديولوجية المغلقة، إذ تشير أدبيات علم الاجتماع السياسي إلى أن الأحزاب العقائدية ذات البناء المركزي الصارم تميل بمرور الزمن إلى إنتاج ما يسميه عالم الاجتماع السياسي روبرت ميخلز بـالقانون الحديدي للأوليغارشية حيث تتحول القيادة التنظيمية إلى مركز للحقيقة السياسية والفكرية، ويصبح الحفاظ على التنظيم أهم من مراجعة الأفكار نفسها.
ومن هنا فقط، يمكن ان نفهم تلك الحدة التي تواجه بها بعض قيادات وكوادر الحزب، أي نقد يوجه للحزب أو لتجربته التاريخية
أقول ان ما طرحة دكتور النور حمد ومن قبله دكتور عبدالمنعم همت من نقد للحزب الشيوعي لا يمكن اختزاله في مجرد خصومة سياسية أو موقف شخصي، بل هو جزء من سؤال أعمق يتعلق بفشل النخب السودانية الحديثة يسارية كانت أم إسلامية أم قومية في بناء مشروع وطني متماسك. فدكتور النور حمد او دكتور عبدالمنعم همت ينطلقوا من نقد بنية الوعي السوداني الحديث نفسه، ومن عجز النخبة عن فهم التعقيد الثقافي والديني والاجتماعي للسودان، وهي أسئلة لا تكفي فيها لغة الدفاع التنظيمي أو استدعاء التاريخ النضالي للحزب
نعم نعلم جيداً لقد كان الحزب الشيوعي السوداني، تاريخيا، أحد أكثر الأحزاب السودانية انضباطً وتنظيمي، لكنه في المقابل ظل أسير لنوع من المركزية الفكرية التي جعلته يتعامل مع المجتمع السوداني في كثي من الأحيان الأحيان باعتباره موضوعا للتغيير من أعلى، لا شريكاً في إنتاج الحداثة نفسها. ولهذا ظلت علاقته بالمجتمع التقليدي والديني علاقة ملتبسة، رغم محاولاته المتكررة لتطوير خطابه السياسي
وتتجلى الأزمة بصورة أوضح في الضبابية السياسية التي تحيط بموقف الحزب خلال الحرب السودانية الحالية. فمن جهة، يعلن الحزب رفضه للحرب ورفضه للحلول العسكرية، ومن جهة أخرى، تبدو بعض خطابات قياداته أقرب موضوعيا أو ضمنيا إلى خطاب المؤسسة العسكرية في عدد من الملفات، خاصة في ما يتعلق بمفهوم السيادة الوطنية، ورفض التدخل الخارجي، والخطاب المتعلق بالمليشيات المسلحة. وقد دفع هذا التناقض كثيرين إلى اتهام الحزب بأنه انتقل من موقع المعارضة الجذرية إلى حالة من التماهي غير المعلن مع الجيش، أو على الأقل إلى تبني سردية سياسية لا تختلف كثيراً عن السردية الوطنية التقليدية للمؤسسة العسكرية
ولا يمكن فهم هذا التحول دون النظر إلى أزمة اليسار العربي عمومًاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث فقدت الأحزاب الشيوعية مرجعيتها النظرية العالمية، ودخلت في حالة من الارتباك الفكري والتنظيمي. وتشير دراسات عديدة حول اليسار العربي إلى أن كثير من هذه الأحزاب لم تنجح في إنتاج مراجعات عميقة لمقولاتها الكلاسيكية حول الدولة والهوية والدين والمجتمع، بل اكتفت بإعادة إنتاج خطابها القديم في سياقات جديدة
وفي الحالة السودانية تحديد بالذات ، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً، لأن الحزب الشيوعي لم يعد يواجه فقط خصومه التقليديين من الإسلاميين، بل يواجه أيضاً نقد متصاعد من داخل الفضاء الحداثي نفسه، ومن مثقفين كانوا قريبين من اليسار أو متقاطعين معه فكرياً ولذلك فإن ردود الفعل الغاضبة تجاه النور حمد ودكتور عبدالمنعم همت تعكس، في جانب منها، أزمة ثقة داخلية يعيشها الحزب أكثر مما تعكس قوة موقفه الفكري
كما أنّ حالة الاستهداف الدائم التي يتحدث بها بعض كوادر الحزب تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بثقافة سياسية سودانية واسعة، لا تخص الحزب الشيوعي وحده، حيث تميل الأحزاب إلى تحويل النقد الفكري إلى معركة ولاء وخيانة. وهذه الظاهرة ليست بعيدة عن الإرث الشمولي الذي تشكلت داخله الأحزاب السودانية الحديثة، سواء كانت يسارية أو إسلامية أو قومية
إنّ القيمة الحقيقية لأي حزب سياسي لا تُقاس فقط بتاريخ تضحياته، بل بقدرته المستمرة على تجديد نفسه، وعلى ممارسة النقد الذاتي، وعلى الاعتراف بأخطائه التاريخية. أما الأحزاب التي تتحول إلى (ذاكرة نضالية مغلقة)، فإنها تفقد بالتدريج قدرتها على قراءة الواقع، وتصبح أسيرة ماضيها الرمزي أكثر من انشغالها بأسئلة الحاضر والمستقبل
ولعلّ الأزمة الراهنة للحزب الشيوعي السوداني تكمن بالتحديد في هذا التناقض فهو حزب يمتلك تاريخ كبيرً وتأثير رمزيً مهمً لا ننكره لكنه يواجه في الوقت نفسه تآكل في قدرته على إنتاج خطاب جديد قادر على تفسير السودان المعاصر، وعلى تجاوز ثنائية العسكر والإسلاميين، وبناء مشروع ديمقراطي حديث يتصالح مع تعقيد المجتمع السوداني بدل التعامل معه بوصفه مجرد مادة خام للأيديولوجيا
دمتم
اكرم البكري



