حين يحاور البرهان نفسه: هل هذا حوار للسلام أم ترتيب لمعسكر الحرب؟
ادم بركة دفع الله عطية

في السودان، كثرت الدعوات إلى الحوار، لكن كثرة الأبواب لا تعني أن الطريق واحد. فهناك حوار يفتح باب السلام، وحوار يُستخدم لترتيب صفوف الحرب. وبين الاثنين مسافة لا يخطئها من يبحث عن مصلحة الوطن.
ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، دفع الشعب السوداني الثمن الأكبر: أرواح أزهقت، وبيوت هُدمت، ومدن أفرغت من أهلها، ودولة تآكلت مؤسساتها، ومجتمع أنهكته الحرب.
وفي مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يقف مع من؟ بل: من يقف مع السودان؟
والسودان اليوم هو الذي دفع ثمن الصراع، ولذلك يجب ألا يتحول الحوار إلى خلاف بين مكونات المعسكر الواحد على من يدير السلطة، بينما يبقى الشعب خارج المشهد.
إذا كان الحوار الذي يطرحه البرهان محصوراً في القوى التي وقفت معه أو اصطفّت مع ما يسمى بالجيش، فإن هذا الحوار لن يفيد السودان، ولن يقود إلى سلام حقيقي؛ لأنه ببساطة حوار لا يسمع إلا صوتاً واحداً.
إنه أقرب إلى حوار الطرشان؛ حوار يحاور فيه الطرف نفسه، ويسمع فيه المتحاورون صدى مواقفهم فقط، ثم يخرجون بنتائج لم يشارك فيها المختلفون معهم، ولم تمثل الشعب السوداني بكل تنوعه.
فحوار المعسكر ليس حوار الوطن.
وإذا كان المطلوب من الحوار أن يجمع فقط من يتفقون مع طرف بعينه، فماذا بقي من معنى الحوار؟ الحوار الحقيقي هو أن تجلس مع من تختلف معه، لا أن تجمع أنصارك لتتفق معهم.
فالجيش، من حيث المبدأ، مؤسسة وطنية يفترض أن تكون ملكاً للشعب كله، لا لمجموعة جهوية او سياسية أو أيديولوجية بعينها.
لكن المشكلة في السودان أن السودانيين أنفسهم لم يتفقوا بعد على أن الجيش، في ممارسته ودوره السياسي، يمثل مؤسسة وطنية محل إجماع. فهناك من يراه حامياً للدولة ورمزاً لسيادتها، وهناك من يرى أن تدخله المتكرر في السياسة والحكم، وانحيازه في مراحل مختلفة إلى قوى اجتماعية وسياسية، أضعف صورته كمؤسسة قومية جامعة.
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا مجرد القول إن الجيش مؤسسة وطنية لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بداية السؤال كيف نجعل الجيش مؤسسة وطنية بالفعل؟
فالجيش الوطني هو الذي يقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين والقوى السياسية، ويحمي الدستور والدولة، ولا يتحول إلى طرف في الصراع السياسي، ولا يكون أداة لحماية حزب أو جماعة اثنية أو مشروع أيديولوجي.
ومن وقف مع الجيش في هذه الحرب لا يصبح تلقائياً ممثلاً للسودان، كما أن من اختلف مع الجيش أو رفض الحرب لا يصبح تلقائياً عدواً للدولة.
فالاختلاف حول الجيش لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف حول الوطن، والاتفاق على وطن واحد يجب أن يسبق الاتفاق على دور المؤسسة العسكرية فيه.
ومن هنا، فإن أي حوار سوداني جاد يجب أن يناقش بصراحة وهدوء ما هو موقع الجيش في الدولة؟ وما حدود دوره السياسي؟ وكيف نضمن مهنيته وقوميته وخضوعه للسلطة المدنية والدستور؟
فالغاية ليست إضعاف الجيش، ولا تقديسه، وإنما بناء جيش مهني وطني يشعر كل سوداني أنه جيشه، لا جيش طرف من السودانيين.
الحوار الوطني الحقيقي لا يسأل السوداني مع من قاتلت؟ بل يسأله: كيف نوقف القتال؟ وكيف نبني دولة لا تعود إلى الحرب؟
لا يمكن أن يكون الحوار طريقاً إلى السلام بينما تستمر الحرب. فلا يمكن إطفاء الحريق بينما تستمر النار في الاشتعال.
ولهذا يجب أن تكون الأولوية وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، ثم الجلوس إلى طاولة سياسية تجمع السودانيين.
أما أن يتحول الحوار إلى وسيلة لتعبئة طرف، أو إعادة ترتيب صفوفه، أو البحث عن شرعية سياسية لاستمرار الحرب، فذلك ليس حوار سلام، وإنما إدارة للصراع بوسائل سياسية. وهذا ما يفعله الآن البرهان
ومن أخطر المفارقات أن يُنظر إلى القوى التي رفضت الحرب ودعت إلى وقفها باعتبارها جزءاً من المشكلة، بينما يُفتح الطريق أمام القوى التي إشعلت الحرب وساهمت في استمرارها او استثمرت فيها لتعود إلى السلطة.
إن رفض الحرب ليس جريمة، والدعوة إلى السلام ليست خيانة، والوقوف على مسافة واحدة من المتحاربين ليس عداءً للدولة.
أما تصوير القوى الرافضة للحرب وكأنها مجرمة لمجرد أنها لم تنضم إلى أحد معسكر الجيش ، فهو قلب للحقائق.
وفي المقابل، فإن من ثبت مسؤوليته عن إشعال الحرب أو ارتكاب الجرائم يجب ألا يحصل على مكافأة سياسية بسبب موقعه أو نفوذه.
فمن أشعل النار لا ينبغي أن يُكافأ بمنحه مفاتيح البيت.
الحوار لا يعني أن نفتح الباب للجميع ثم نغلق باب العدالة.
هناك فرق بين الخلاف السياسي الذي يُحل بالحوار، والجريمة التي يحكم فيها القانون.
لا ينبغي إقصاء السوداني بسبب رأيه السياسي، لكن لا ينبغي أيضاً أن تتحول السياسة إلى ستار يحمي مرتكب الجريمة.
فلا سلام مستداماً من دون عدالة، ولا مصالحة حقيقية من دون حقيقة، ولا يمكن مطالبة الضحايا بالنسيان قبل أن يعرفوا من قتل أبناءهم، ومن هجرهم من ديارهم، ومن دمر ممتلكاتهم.
إن أحد أهم أبواب السلام هو معرفة الحقيقة.
يجب أن يكون هناك تحقيق مستقل ونزيه في ظروف اندلاع حرب 15 أبريل، وفي القرارات التي قادت إلى الانفجار، وفي مسؤولية كل من ساهم في إشعال الحرب أو توسيع نطاقها، أياً كان موقعه أو انتماؤه.
كما يجب التحقيق في جميع الانتهاكات التي وقعت أثناء الحرب، وجرائم الحرب والتطهير العرقي، بما في ذلك استخدام أسلحة محظورة أو كيميائية، من خلال آليات فنية مستقلة.
فالحقيقة لا تخاف التحقيق، وإنما يخشاه من يخشى الحقيقة.
ولا يجوز أن يكون التحقيق سلاحاً سياسياً في يد طرف ضد طرف، بل حقاً للشعب السوداني في معرفة ما حدث.
لا يجوز أن تكون العدالة انتقائية.
ما حدث في دارفور من جرائم وتطهير عرقي يجب أن يخضع للعدالة، كما يجب التحقيق في الانتهاكات التي وقعت في الجزيرة والخرطوم وسنار وغيرها من المناطق.
ويجب اعادة قبض المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية وفق الالتزامات القانونية ذات الصلة، دون أن تكون المساومات السياسية وسيلة لإسقاط الجرائم.
فالدم لا يصبح أقل حرمة بتغير الجهة التي سفكته.
وإذا أردنا مصالحة وطنية حقيقية، فعلينا أن نضع جميع الضحايا في ميزان واحد، وجميع الجرائم أمام قانون واحد.
المشكلة ليست فقط في الحرب، وإنما في العقلية التي تجعل الدولة غنيمة لمن ينتصر عسكرياً.
السودان يحتاج إلى دولة لا يرثها حزب، ولا يحتكرها جيش، ولا تستولي عليها جماعة، ولا تُستخدم مؤسساتها لمعاقبة الخصوم.
دولة تقوم على المواطنة، يكون فيها القانون فوق الجميع، والسلطة خادمة للشعب، والجيش مؤسسة وطنية مهنية، والسياسة مجالاً للتنافس السلمي.
السودان لا يحتاج إلى حوار هدفه توزيع الكراسي، وإنما إلى حوار يعيد تأسيس الدولة؛ حوار يناقش جذور الأزمة: التهميش، المركزية، قضية الأرض والحواكير، العلاقة بين المركز والأقاليم، وعلاقة الدين بالدولة و استخدام القبيلة في السياسة، اختلال توزيع الموارد، عسكرة الدولة، وضعف المؤسسات، وموقع المؤسسة العسكرية في الدولة وحدود دورها السياسي.
نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقول بوضوح:
لا مواطن فوق القانون، ولا منطقة خارج العدالة، ولا مؤسسة فوق الدولة، ولا جماعة تملك السودان وحدها.
إن الحوار السوداني الحقيقي ليس حوار المنتصرين والمهزومين، ولا اجتماعاً بين من حملوا السلاح ومن وقفوا خلفه.
إنه حوار الشعب الذي دفع ثمن الحرب.
ولهذا يجب أن يبدأ من قاعدة بسيطة هي إيقاف الحرب أولاً، ثم الجلوس جميعاً لبناء السلام.
ولا يكافئ من أشعل الحرب، ولا يعاقب من دعا إلى إيقافها، ولا يجعل الحوار غطاءً لاستمرار القتال.
فالحوار الجاد هو الوقاية من حرب أخرى تبدأ اليوم ببناء دولة عادلة لا تسمح لأحد بأن يحتكرها.
السودان لا يحتاج إلى معسكر ينتصر على معسكر، بل إلى وطن ينتصر على الحرب.
فالسلام الذي يعيد إنتاج أسباب الحرب ليس سلاماً، والحوار الذي يخدم طرفاً واحداً ليس حواراً وطنياً، وحوار الطرشان الذي يحاور فيه طرف نفسه لن يصنع سلاماً يسمعه السودان.
والرهان الحقيقي ليس: من يحكم السودان؟
بل كيف نبني سوداناً جديدة لا يحتاج فيه أحد إلى الحرب لكي يحكم؟



