قصف المعدنين السودانيين.. ما بين السياسة والوضاعة

عبد العزيز عقيد
ليست كل الجرائم التي ترتكب بحق الشعوب بحاجة إلى كثير من التأويل السياسي حتى ندرك فداحتها، لكن بعض الجرائم تكشف، إلى جانب بشاعتها، طبيعة العلاقات التي تجعل دماء الفقراء أرخص من المصالح، وكرامة الأوطان أقل قيمة من حسابات النفوذ.
ما حدث للمعدنين السودانيين في منطقة شمال الوادي، وفق التقارير المتداولة في الحادي عشر من أكتوبر، ليس مجرد حادثة أمنية عابرة على الحدود.
فقد تحدثت تقارير عن غارات جوية أوقعت عشرات القتلى والجرحى، ونسبت منظمة «محامو الطوارئ» الهجوم إلى الطيران المصري، بينما لم يتسن التحقق المستقل من هوية الطائرات أو الحصيلة النهائية للضحايا.
وهذه التفاصيل، التي تستوجب تحقيقا مستقلا، لا تقلل من فداحة المأساة ولا من ضرورة حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها إن ثبتت الاتهامات.
لكن السؤال الذي يتجاوز تفاصيل القصف هو: كيف أصبح المواطن السوداني الحلقة الأضعف في معادلة السيادة الوطنية؟
هؤلاء المعدنون ليسوا جيوشا تحشدها الدول، ولا قوة عسكرية تهدد حدودها، بل مواطنون يبحثون عن لقمة العيش في بلد أنهكته الحرب، وأغلقت في وجه أبنائه أبواب كثيرة للرزق.
وحتى إذا كانت هناك مخالفات تتعلق بالتعدين أو عبور الحدود، فإن معالجتها تظل مسؤولية قانونية وأمنية، ولا تمنح أحدا تفويضا مفتوحا لإزهاق أرواح البشر خارج مقتضيات القانون.
هنا يتعين الفصل بين السياسة والوضاعة.
فالسياسة، مهما بلغت قسوتها، تقوم على المصالح والتفاوض وموازين القوة، أما الوضاعة فتبدأ حين تتحول حياة الإنسان إلى تفصيل هامشي في حسابات تلك المصالح، وحين يصبح ضعف الدولة التي ينتمي إليها مدخلا لاستباحة مواطنيها.
وإذا ثبت أن طائرات مصرية قصفت مدنيين داخل الأراضي السودانية، فإن القضية لا تقف عند حدود الخسائر البشرية، بل تمتد إلى السيادة الوطنية، ومسؤولية الدولة السودانية عن حماية مواطنيها، وواجبها في اتخاذ موقف واضح لا تحكمه المجاملات ولا تقيّده حسابات الحليف والصديق.
ولا تعني المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن القصف تبني العداء للشعب المصري، كما لا تعني العلاقات التاريخية بين الشعبين منح أي حكومة حصانة سياسية أو أخلاقية من المساءلة.
فالشعوب ليست حكوماتها، والصداقة بين الشعوب لا تُصان بالصمت على دمائها، وإنما بالعدل والاحترام المتبادل.
المؤلم في المشهد السوداني أن الحرب لم تكتف بتمزيق البلاد وإفقار أهلها، بل جعلت حياة المواطن عرضة لانتهاكات متعددة، في ظل غياب دولة قادرة على بسط سلطتها وحماية مواطنيها.
وعندما يُقتل السوداني في مناطق الحرب، أو يُستهدف وهو يسعى وراء رزقه في المناطق الحدودية، يصبح السؤال عن قيمة المواطنة والسيادة سؤالا ملحا لا يجوز تأجيله.
إن السيادة ليست خطابا يرفع عند الخصومة، ثم يُطوى عندما يتعلق الأمر بحليف سياسي أو دولة ذات نفوذ.
والسيادة التي لا تحمي حياة المواطنين تتحول إلى شعار أجوف، لا يجد المواطن في ظله أمنا ولا كرامة ولا حقا.
فما قيمة السيادة إذا كان السوداني يستطيع أن يفقد حياته في أرض بلاده، ولا يجد من دولته سوى الصمت، ومن بعض القوى السياسية سوى حسابات الاصطفاف؟
إن دماء المعدنين السودانيين ليست مادة للمزايدة، ولا ورقة في صراع المحاور.
إنها قضية تستوجب كشف الحقيقة، وتحديد المسؤولية، ومحاسبة المتورطين، وضمان عدم تكرار الاعتداءات.
أما الوضاعة الحقيقية، فهي أن تصبح حياة الفقراء رخيصة إلى الحد الذي يجعل موتهم أقل أهمية من إزعاج الحلفاء.


