
لم تكن الحرب في السودان مجرد صراع مسلح على السلطة أو النفوذ، بل تحولت إلى زلزال عميق هزّ بنية المجتمع والدولة معًا، وكشف عن أزمات مزمنة كان من أبرزها أزمة المثقف السوداني: دوره، موقعه، وحدود تأثيره في لحظة تاريخية مفصلية. فمع تصاعد العنف وانهيار مؤسسات الدولة، عاد سؤال قديم ليطفو على السطح بإلحاح أكبر: أين يقف المثقف حين تشتعل الحرب، وبأي لغة، ولصالح أي قيم؟
المثقف السوداني، بوصفه صاحب وعي نقدي وموقف أخلاقي من قضايا مجتمعه، وجد نفسه في مواجهة اختبار قاسٍ. فالحرب لم تترك له مساحة رمادية مريحة، بل دفعته دفعًا إلى حافة الخيارات الصعبة. بعض المثقفين انجرفوا نحو خطاب الاصطفاف الحاد، فبرروا العنف أو غضّوا الطرف عنه بدعوى الضرورة السياسية أو الخطر الأكبر، بينما اختار آخرون الصمت، إما خوفًا، أو ارتباكًا، أو بحجة تعقيد المشهد واستحالة اتخاذ موقف “نقي” في واقع ملتبس.
هذا الصمت، أو هذا التبرير، فتح نقاشًا أخلاقيًا واسعًا حول معنى دور المثقف في زمن الحرب. فهل يمكن الحياد حين تُنتهك حياة المدنيين وتُدمّر المدن ويُشرّد الملايين؟ أم أن الامتناع عن الموقف يتحول هو نفسه إلى موقف، وربما إلى شكل غير مباشر من أشكال التواطؤ؟ هنا تتجلى أزمة المثقف السوداني لا كأزمة شجاعة فردية فحسب، بل كأزمة تصور لدوره وحدود مسؤوليته تجاه المجتمع.
تاريخيًا، ظلت علاقة المثقف السوداني بالسلطة علاقة مضطربة، تتأرجح بين القمع والاحتواء، لكن الحرب أدخلت عنصرًا أكثر قسوة: سلطة السلاح العاري. في هذا السياق، بدا الخطاب الثقافي ضعيفًا أمام منطق القوة، وبدا للكثيرين أن الكلمة فقدت تأثيرها. غير أن هذا الشعور بالعجز لا يلغي وظيفة المثقف، بل يعيد تعريفها. فدوره لا يُقاس فقط بقدرته على إيقاف الحرب، بل بقدرته على رفض تطبيعها، وعلى تفكيك سردياتها الزائفة، وحفظ ذاكرة الضحايا، والدفاع عن الإنسان كقيمة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
دفعت الحرب أعدادًا كبيرة من المثقفين إلى المنافي، داخل البلاد وخارجها، أو إلى الاحتماء بالفضاء الرقمي. لكن هذا الواقع خلق مفارقة لافتة: كثافة في الكلام مقابل ضعف في الأثر. تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات استقطاب حاد، يطغى عليها الانفعال والتخوين، ما أضعف الخطاب العقلاني النقدي الذي يُفترض أن يكون أحد أدوار المثقف الأساسية. ومع ذلك، يبقى التحدي قائمًا: كيف يمكن للمثقف أن يكون قريبًا من آلام الناس دون أن يفقد مسافته النقدية، وأن يكون منحازًا للضحايا دون أن يتحول إلى جزء من ماكينة التحريض؟
إن أزمة المثقف السوداني في زمن الحرب تكشف في جوهرها حاجة ملحة إلى إعادة تعريف هذا الدور، بعيدًا عن أوهام الوصاية أو ادعاء تمثيل الشعب. فالمثقف ليس قائدًا سياسيًا ولا بديلًا عن الفاعلين في الميدان، بل هو ضمير نقدي، وصوت يسائل الجميع بلا استثناء، ويقاوم تبسيط الواقع وتحويله إلى ثنائيات قاتلة.
وفي هذا السياق، يصبح النقد الذاتي ضرورة لا ترفًا، والاعتراف بأخطاء النخب وخطاباتها شرطًا لأي محاولة لاستعادة المعنى. فالحرب لم تفضح فقط عنف السلاح، بل كشفت أيضًا هشاشة التصورات القديمة عن التغيير، وقصور الفهم لتعقيدات المجتمع السوداني وتنوعه.
الحرب في السودان ليست مأساة إنسانية فحسب، بل امتحان قاسٍ للوعي. وقد عرّت هذه الحرب موقع المثقف وأظهرت ضعفه، لكنها في الوقت نفسه أعادت التأكيد على الحاجة إليه. فحين يسود منطق القوة، تصبح الكلمة الهادئة فعل مقاومة، ويغدو الدفاع عن الإنسان موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا بامتياز، حتى وإن بدا بلا جدوى آنية. وفي هذه المساحة الصعبة، تتحدد قيمة المثقف الحقيقية: ليس بما يملكه من شعارات، بل بما يملكه من شجاعة أخلاقية في مواجهة الحرب.
وحيد سالم
مستشار نفسي




👍
كلمة الحياد التي يتم تداولها ، تم تسويقها بواسطة البلابسة و من ورائهم الاسلاميين الاشرار على أنها مرادف للخيانة!!
طالما ان الكاتب مثقف و يتحدث عن المثقفين، فيقع عليهم اللوم في جعل البلابسة يختطفوا معنى الحياد لضرب القوى المدنية الرافضة للحرب مع ان الرد كان بسيطا وهو ان الحياد يعني السلام
مقال رصين يضع المثقف أمام الازمة والمسئولية.