صناعة الوعي… مكانا وين من هذا اللغط؟!!!!

صناعة الوعي…. مكانا وين من هذا اللغط؟ !!!!

سبب الجمود الفكري وعدم العقم الثقافي هو حالة التشظي التي يعيشها المثقفون من ناحية، والخلط المتعمد بين ما هو فكري ثقافي وبين ما هو سياسي (براغماتي)، لذلك يصعب على المتابع للشأن السوداني المترهل على كافة المستويات أن يقيم أي نوع من التفرقة بين المجال السياسي والمجال الثقافي وبالتالي من يقود من.

بات واضحاً للعيان أن (الملكية الفكرية) لإشكالية السودان ما عادت حكراً على نظام الحكم القائم، وإنما أصبح يشاطرها في ذلك النظام الاجتماعي القائم (بما فيه من مثقفين)، الذي أصبح يتماهي مع كل مشكلة يخلقها النظام الحاكم، تماماً كالحرباء التي تتخذ من تغيير لونها وسيلة للتأقلم مع البيئة، دون الحاجة للتعامل مع مكونات البيئة نفسها، حتى أصبحت كل مشكلة جديدة هي في حد ذاتها مكون جديد من مكونات النظام الاجتماعي وبالتالي تفاقم من أزمة البلد.

هذا السلوك المرضي، أفقد الانسان السوداني الاحساس بالمشكلة ومن ثم الرغبة في التغيير، ودفعه إلى أن يخلد إلى الأرض في حالة استسلام تام لوضعه البائس، والذي يضفي عليه الفقهاء كل يوم الشرعية المطلوبة بقولهم (قدر الله وما شاء الله فعل) والحاكم ظل الله في الأرض، وكما تكونوا يول عليكم، والملك شأن إلهي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فلا تنازعو أولي الأمر ما أفاء الله به عليهم.

ليس في مُكنة المثقف (الفرد) تغيير المجتمع، وان سمت أفكاره وارتقت ولامست عنان السماء، مالم يتكتل هذا المثقف مع غيره لخلق (تيارفكري) قوي يتمتع بالقدرة على التأثير، هذا التيار الفكري بالقطع ليس (حزباً) سياسياً، وهنا تكمن أهمية ان نفصل بين ما هو سياسي (آني) وبين ما هو ثقافي (آجل)، وأن نعي أن المثقف تقتله الشهرة بينما السياسي تصنعه الشهرة، لأن المثقف يظل حراً ما بقي منقاداً لأفكارة، حتى إذا ما أصابته الشهرة تملق القارئ والسياسي (الأجوف) من أجل البقاء معه في عرش الشهرة.

نحن إذن في حاجة لثقافة (الجماعات الفكرية)، على غرار الجماعات والمذاهب الفكرية التي خلقت أوروبا اليوم، فكل مفكر أو فيلسوف كان ينضوي تحت تيار أو مذهب فكري يحمل رؤاه وطموحاته بمعية عباقرة آخرون ارتأوا التنازل من أجل التآزر، ولا يقتصر عمر التيار أو المذهب على حياة المفكر أو صاحب المبادرة، وإنما يمتد ويتخطى الحدود الجغرافية والايديولوجية.

لأن (الفردانية) في مجال الفكر والثقافة، تكون في طور ولادة الافكار وقدحها وهذا الطور لا يكون إلا بها، ولكنها لا تقوى على التأثير في البناء الثقافي (الصلب) للمجتمعات، فلا بد لها إذن من أن تؤول إلى (جماعات وتيارات) تشاطرها الهم وتناصرها حتى تقوى على مواجهة المجتمع والسلطة الغاشمة. الفردانية إن لم تتحول إلى تيار فإنها تؤدي إلى الخوف من تغول الآخرين على أفكار الفرد، فيبدأ الاقتتال ما بين المثقفين أنفسهم، لينتهي العراك بانضمام بعضهم للسلطان والبعض الآخر للهجران وقليل للمناطحة وكثيرٌ يؤثر الصمت.

الخلاصة، لن ترى أفكارنا النور ولا مبادراتنا تحققاً عملياً بدون تكوين (تيارات ثقافية) قوية و(مذاهب فكرية) متماسكة عضوياً تجتمع فيها الرؤى المتقاربة لتكوَّن تيارات تمتلك قوة التأثير في مسارات المجتمع وخياراته، بغيدأ عن السياسية الآنية.

صديق النعمة الطيب
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..