المخذِّلون يرفعون الراية البيضاء… والمعلمون والمعلمات يكتبون التاريخ

بقلم: حسن عبد الرضي
كلما اقتربت ساعة الإضراب، خرج علينا قومٌ لا يملكون حلاً، ولا يقدمون بديلاً، ولا يقودون معركةً، وإنما يتفرغون لمهمة واحدة: تخويف الناس من النضال. يكتبون الرسائل الباكية، وينثرون عبارات الأسى، ويتحدثون عن الجوع والفصل والتشريد وكأنهم اكتشفوا فجأة أن المعلم سوف يعاني!
والحقيقة أن المعلم لم يحتج إلى هذه الرسائل ليعرف حجم مأساته. فهو يعيشها كل يوم. يعرفها حين يعجز راتبه عن شراء ضروريات الحياة. ويعرفها حين يمد يده للدين قبل منتصف الشهر. ويعرفها حين يرى مكانته الاجتماعية تتآكل أمام عينيه. لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا سيخسر المعلم إذا أضرب؟ بل: ماذا تبقى له حتى يخسره؟
إن أخطر ما في خطاب المخذلين أنه يحاول إقناع الناس بأن الاستسلام أكثر أمانًا من المقاومة، وأن الصمت أقل كلفة من الاحتجاج. وهذه أكذوبة كبرى. فكل الحقوق التي حصل عليها العاملون في العالم، وكل التحسينات التي انتزعتها النقابات الحقيقية، وكل المكاسب التي يتمتع بها الموظفون اليوم، لم تأتِ من الصمت، وإنما جاءت من الإضرابات والاعتصامات والضغط الجماعي المنظم.
أما الذين يقولون للمعلم: “إياك والإضراب”، فإنهم في الحقيقة يقولون له: “اقبل وضعك كما هو، وتحمل الظلم بصمت، وانتظر الفرج لننزله لك نحن من السماء.” لكن التاريخ لا يكتب بهذه الطريقة. التاريخ يكتبه الذين ينهضون للدفاع عن حقوقهم.
أما الحديث عن الفصل من الخدمة فهو السلاح القديم نفسه الذي استُخدم ضد كل حركة مطلبية منذ عقود. والسؤال البسيط هنا: إذا كان آلاف المعلمين والمعلمات يقفون صفًا واحدًا، فهل تستطيع أي سلطة أن تفصلهم جميعًا؟ وهل تستطيع وزارة تعاني أصلًا من نقص الكوادر أن تستبدل جيشًا من المعلمين بين ليلة وضحاها؟ إن قوة الإضراب لا تنبع من الفرد، وإنما من الجماعة. ولهذا يحاول المخذلون دائمًا أن يعزلوا المعلم عن زملائه، وأن يقنعوه بأنه وحيد، وأن الجميع سيتخلون عنه.
إنهم يعرفون أن أول شروط الانتصار هو كسر الخوف. أما الحديث عن استبدال المعلمين بـ”المستنفرين” و”البدائل” فهو أقرب إلى التهديد الإعلامي منه إلى الواقع. فالتدريس ليس عملاً موسميًا يمكن أن يؤديه أي عابر سبيل. والمعلم ليس قطعة أثاث تُستبدل. وليس مسمارًا يُنزع ويوضع مكانه آخر. إنه صاحب خبرة ومهارة وتدريب وتراكم مهني لا يُعوَّض بالشعارات.
ثم نأتي إلى الحجة الأكثر تكرارًا: “الإضراب يضر أبناء الفقراء.” وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فمن الذي أوصل المدارس الحكومية إلى هذا الانهيار أصلًا؟ هل فعل ذلك المعلمون أم السياسات الفاشلة التي أفقرت التعليم وأذلت المعلمين؟ إن الدفاع عن حق التلميذ في تعليم جيد يبدأ بالدفاع عن حق المعلم في حياة كريمة. فالمعلم الجائع لا يستطيع أن يبني نظامًا تعليميًا محترمًا. والمعلم المقهور لا يستطيع أن ينتج بيئة تعليمية سليمة.
إن تحسين أوضاع المعلمين ليس ضد مصلحة التلاميذ، بل هو شرطٌ أساسي لمصلحتهم. أما الذين يتباكون اليوم على أبناء البسطاء، فقد صمتوا سنوات طويلة على تدمير المدارس الحكومية، وعلى تدني الأجور، وعلى انهيار البيئة التعليمية. ولم يتذكروا الفقراء إلا عندما قرر المعلمون المطالبة بحقوقهم.
أما القول إن المدارس الخاصة ستواصل العمل، فهو قول يفتقر إلى فهم طبيعة الواقع التعليمي. فالمدارس الخاصة ليست جزيرةً معزولة عن المجتمع. ومعظم معلميها هم أنفسهم أبناء القطاع التعليمي الذي يتأثر بكل أزمة تصيب التعليم الحكومي. كما أن نجاح الإضراب في المدارس الحكومية يخلق ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا واسعًا لا تستطيع أي مؤسسة تعليمية تجاهله. والأهم من ذلك كله أن القضية ليست منافسة بين مدرسة حكومية ومدرسة خاصة. القضية هي الدفاع عن مهنة التعليم نفسها.
إن الرسالة التي يوزعها المخذلون يمكن اختصارها في عبارة واحدة: “استسلموا لأنكم ضعفاء.” أما رسالة المعلمين اليوم فهي: “نتحد لأننا أقوياء.”
لقد جُرِّب الصمت سنوات طويلة فلم ينتج إلا المزيد من التدهور. وجُرِّبت المذكرات الخجولة فلم تغيّر شيئًا. وجُرِّبت الوعود الرسمية حتى استهلكها الزمن. ولم يبقَ أمام المعلمين سوى سلاحهم المشروع: التنظيم، والوحدة، والإضراب السلمي.
إن الذين يخافون من الإضراب أكثر من خوفهم من الظلم، لا يدركون أن الظلم نفسه هو أطول إضراب عرفه المعلم السوداني؛ إضرابٌ عن العدالة، وإضرابٌ عن الإنصاف، وإضرابٌ عن الكرامة. أما المعلمون فقد بدأوا أخيرًا يكتبون فصلًا جديدًا من تاريخهم. ولذلك ترتجف أصوات المخذلين. فهم يعلمون أن المعلم حين يكتشف قوته الجماعية، تسقط كل أوهام العجز التي بُنيت حوله لعقود. وسيذهب هذا الخطاب المرتجف إلى حيث ذهبت قبله عشرات حملات التخويف، بينما تبقى حقيقة واحدة لا تتغير: الحقوق لا يمنحها الخوف، وإنما تنتزعها الإرادة المنظمة.



