لقاء البشير ودموع نافع..سياسات اليأس و إنهيار النظام

عمر موسي عمر – المحامي

لم يكن لقاء رئيس الجمهورية والذي بثته القنوات الفضائية السودانية ليضيف بعداً جديداً أو بريقاً لسياسات الحزب الحاكم تجاه القضايا الملحة في البلاد وعلي رأسها ملفات الفساد والموقف الإقتصادي المتأزم وحلول الخروج من أزمة الحروب التي يشنها النظام وتفرز وضعاً إنسانياً مأساوياً يصعب مداواته تحت دوي المدافع وزخات الرصاص وآلات الحرب .. والحق يقال أن هذا اللقاء عبر القنوات الفضائية كان جزءاً من أزمة البلاد ونكبتها في قيادتها والتي تمثلت في رأس الدولة الذي لم يجد غضاضة في تبرير إقالة والٍ منتخب من قبل الشعب وتحويله بقرار جمهوري إلي ولاية أخري ليتسق ذلك مع سياسة النظام في معالجة الأزمة في إقليم دارفور والذي يقوم علي الجهوية والمحاصصة وسياسة ( فرق تسد ) حتي وإن كان نتاج ذلك مزيداً من الولايات وإمعاناً في توسعة الصرف البذخي علي شاغلي المناصب الدستورية خصماً علي الخزينة العامة المنهكة أصلاً وليس مفهوماً في هذا السياق قول رئيس الجمهورية (بتمرد الوالي موسي كاشا علي المركز) في ظل حكم فدرالي يفضي أصلاً لتقليص ظل النظام المركزي في دولة مترامية الأطراف .

بيد أن الأمر الذي لا ينقصه الدليل يؤكد أن رئيس الجمهورية في ذلك اللقاء لم يتردد في التأكيد علي مخالفته لنصوص الدستور الإنتقالي (2005م) الذي وافق عليه هو بشخصه ومهره بتوقيعه والذي ينص علي أن إقالة الوالي المنتخب تتم بعد موافقة ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الولائي وليس بقرار جمهوري ..بغض النظر عن الإنتماء السياسي لذلك الوالي كما أن العبث بنصوص الدستور أصبح عادة عند رئيس الجمهورية فقد سبق له إقالة ( مالك عقار ) وتعيين اللواء معاش ( الهادي البشري ) والياً علي ولاية جنوب النيل الأزرق تصفية لخصومة سياسية وخلافات شخصية وهو مؤشر خطير يقود بالضرورة للتأكيد علي أن الرئيس البشير لا زال يتدثر بعباءة الحكم الشمولي العسكري وعجزه عن تجاوز مرحلة الشرعية الثورية إلي مرحلة الشرعية الدستورية سيما وأن الحزب الحاكم يتباهي بأن إستمراره في البقاء علي سدة الحكم جاء عن طريق الإنتخاب وأن الشعب السوداني يعيش في حالة ربيع دائم منذ فجر إنقلاب الإنقاذ علي الحكم الديمقراطي في البلاد .

والحالة هذه علينا ألا نذهب بعيداً قبل التعمق في مفردات اللقاء والذي تضمن أسئلته المذكرة التصحيحية للإسلاميين المطالبين بتصحيح المسار ومحاربة الفساد وبدون الخوض في طبيعة المذكرة أو الطعن في مصداقيتها فإن رئيس الجمهورية قد قلل من أهميتها بإعتبار أنها مذكرة من ثلة قليلة في حزب تتجاوز عضويته خمسة ملايين من أفراد الشعب السوداني ( الفَضَلْ) والأمر كذلك فإن الخمسة ملايين ( البشيرية ) هي في حد ذاتها ( بإفتراض صحة العدد ) تفضح أن النظام لا يتمتع بالأغلبية التي تتيح له إكتساح الإنتخابات والتشبث بحكم البلاد عقوداً طويلة إذا كان عدد السودانيين المهاجرين في أرض الله الواسعة هرباً من النظام وجبروته أكثر من عضوية الحزب الحاكم ( تسعة ملايين ) وهذا بإفتراض أن تلك العضوية المليونية لم تتناقص بسبب الموت أو المتسلقين لتحقيق المنافع الشخصية وتغليبها علي مصلحة البلاد .
أمر آخر يقرر حقيقة من الأهمية بمكان وهي أن النظام يخشي الحشود التي تعارض طريقته في الحكم ويخاف كذلك في ذات الوقت أصوات المعارضين للنظام ويستبين ذلك في ردود أفعال النظام وأقواله عبر الإعتقالات المتكررة للمعارضين وإرهاب المحتجين بشدة القمع للتظاهرات المناوئة وقتلها في مهدها .. ورئيس الجمهورية كان قد صرح في أكثر من مناسبة أن النظام لا يمانع من المعارضة المكتوبة والأقلام الجريئة وظل يردد : ( بس الشارع ما في زول يطلع ) ويبدو أن الأجهزة الأمنية قد أخذت علي عاتقها تنفيذ هذه السياسة كما أفرزتها الأحداث .. وفي الوقت الذي لا يمانع فيه ( فلاديمير بوتين ) في دولة مثل روسيا تمارس سياسة ( الحزب الواحد ) من تصديق حكومته لخروج تظاهرات وإحتجاجات ضد حكومته ومطالبته بإنتخابات حرة ونزيهة يبدو أن حزب البشير غير مستعدٍ للتصديق علي خروج أي مسيرات سلمية من أي جهة ترفع لافتات ضد نظامه الحاكم إلا إذا كانت هذه المسيرة تؤيد حكمه وأشرف علي تحشيدها ( حاج ماجد سوار ) أمين التعبئة السياسية في الحزب الحاكم.

والذي يبدو أن سياسات النظام القائمة علي أسلوب (القرصنة ) وفرد العضلات فيما يختص بأزمة البترول بينها وبين دولة جنوب السودان كانت مبررات رأس الدولة لتلك الحرب أن الغرض منها إستيفاء الديون مبرراً أن نظام الخرطوم ظل يرسل (الفواتير) للنظام الحاكم في ( جوبا) دون أن يحتج عليها وأدخل البشير ذلك في سياق ( الموافقة ) علي المديونية وأن ذلك حجة ضد حكومة جنوب السودان ناسياً أو متناسياً أن العلاقات بين الدولة لا تحكمها الفواتير بل تحكمها الإتفاقيات الدولية والقانون الدولي ..ودون الخوض في أسباب تلك الإخفاقات والتداعيات التي إستبانت بعد تنفيذ إتفاقيات ( نيفاشا) في 9/7/2011م والتي يسأل عنها نظام البشير وحده والتي أدخلت البلاد في دوامة الحروب الإقليمية وقضايا المناطق الحدودية المتنازع عليها وأزمة (أبيي) وإيقاف موارد النفط ما بدا واضحاً في اللقاء أن النظام القائم لا يملك حلولاً آنية للخروج بالبلاد من مأزقها السياسي والإقتصادي الذي خلفته الأزمة بين الدولتين وفي الوقت الذي بدأ ( نافع علي نافع ) مساعد رئيس الجمهورية أسوأ العاقلين عند توقيعه لإتفاقية سلام بين النظام و ( مالك عقار ) والذي أعدم رئيس البلاد نصوصها في غيابٍ كامل لمؤسسية النظام وحزبه الحاكم وتكرس لمبدأ القرارات الفردية التي ينتهجها النظام الحاكم لا يلوح في الأفق أن ( دموع نافع ) التي سكبها بمحلية ( ودبندي ) ستجدي نفعاً أو تعين النظام علي إقناع حكومة ( جوبا) لإستئناف ضخ البترول شمالاً بعد خروج التظاهرات في عاصمة الدولة التي تنادي بعدم الإتفاق مطلقاً مع نظام الخرطوم .

وفي الوقت الذي يمضي رئيس الدولة بعيداً في سياسته القائمة علي الإقصاء والحرب ضد خصومه ومخالفة الدستور ونصوصه وصم أذنيه عن سماع أصوات الحكمة والعقل يبدو أن ( الصين ) الحليف الرئيسي للبلاد ليس حليفاً يعتمد عليه في إخراج البلاد من أزمتها لأن دولة الصين التي لم تستحي من أمر مندوبها برفع يده حتي يري بياض ( إبطه ) لإبطال أي مشروع يهدف إلي إحراج نظام ( بشار الأسد ) في سوريا ليستمر في سياسة سفك دماء الشعب السوري بلا هوادة هي ذات الدولة التي أحجمت عن إستخدام حق ( الفيتو ) في العام 2008م لإنقاذ حليفها في الخرطوم ومنع مجلس الأمن من إستخدام سلطاته بموجب الفصل السابع وإحالة ملف دارفور للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وأفرز ذلك مذكرة القبض التي عجز رئيس البلاد منها فكاكاً .. والصين وهي نفس الدولة لن تستحي أن تميل إلي الكفة الأخري من ميزان الصراع ( كفة دولة جنوب السودان ) في حال دخول الدولتين في حرب ثالثة كما أقر بذلك رئيس البلاد والتي تملك ثروة نفطية كامنة في باطن الأرض لا يملكها نظام الخرطوم وفي الوقت الذي تلهث فيه حكومة الخرطوم وتهرول لإستقدام وجلب الإستثمارات الأجنبية للبلاد بلا جدوي لعلم تلك الأموال وأصحابها بإستحالة النمو في الجو الفاسد للمنظومة المالية للنظام ..في ذات السياق وفي الوقت الذي تنادي فيه مذكرة كبار الضباط بالقوات المسلحة بالتروي قبل تسديد النظام لضربة البداية في حربه القادمة ضد دولة الجنوب يبدو النظام غير مكترث لمبررات المذكرة وغير مبالٍ لأطراف أخري قد تصبح طرفاً في معادلة الصراع مثل ( الولايات المتحدة ) أو ( إسرائيل ) سيما وهي مقبلة علي إنتخابات رئاسية أو بدأت في علاقة سياسية وإقتصادية مع دولة جنوب السودان وسيرضيها وضعية التدخل المباشر لحسم الصراع في زمان وجيز حفاظاً علي مصالحها ومكتسباتها الآنية والمستقبلية .

ومن ثًم هل يؤكد اللقاء رغبة النظام علي لسان رئيس الدولة إستعداد الدولة لخوض حربٍ رابعة في البلاد حتي ولو كان نتاج ذلك خصماً علي إقتصاد البلاد وعافيته في مواجهة دولة تبدو إنها إنتقلت بأقلام النظام من حالة ( كتيبة بور ) المتمردة ضد النظام (المايوي) في العام 1983 إلي دولة ذات سيادة سيدعمها المجتمع الدولي وأصدقائها المقربين في مواجهة نظام يعاني عزلة كاملة ويخوض حروباً في جبهات عدة لا يلوح في الأفق أنها يتنتهي قريباً بمنطق أمراء الحرب الذين يدعون لتأجيج الصراع ودق طبول الحرب طالما أنهم ليسوا طرفاً في وقودها .

ومن نافلة القول أن اللقاء المعني والذي كان لا يحمل في أحشائه حلولاً عاجلة سيبدو في نظر كل الذين تابعوه أن رأس الدولة يبشر بحربٍ رابعة ليس ضد الدولة التي إغتصبت مثلث ( حلايب ) الذي تنامت أصوات بنيه بالدعوي إلي ضمه نهائياً للدولة المعتدية والتخلي عن الجنسية السودانية أو في مواجهة الدولة التي يرتع جنودها بموافقة نظام الخرطوم بمدينة ( أبيي) بعد إغتصابهم لأراضي ( الفشقة ) وإنما جاءت بشارات الحرب ونذرها ضد دولة كل خلاف النظام معها سعر الترحيل ( لبرميل النفط) وتتذمر حكومة الخرطوم من ( أجر المناولة ) في وقت تبدو فيه علي إستعداد لغض الطرف عن أي إحتلال قادم أو تدويل للنزاع بين الدولتين .

ختاماً يستبين أن النظام وعلي لسان رئيس الدولة لا يبدو في جعبة كنانته أي بارقة أمل لإسترداد عافية البلاد وإقتصادها أو أن ينشر النظام علناً ملفات الفساد بعد أن أقر بوجوده وبهذا ستكون إحصائية الأرقام التي حملها رئيس الدولة والتي تبين عدد القضايا التي تم قيدها في مواجهة الفاسدين وما تم البت فيها وما أسترد من المال العام هي محض أرقام لا تسمن ولا تغني من فساد ولا تعين علي وقف عجلته ..علي ان الفائدة الوحيدة التي خرج بها كل من ألقي سمعه للقاء البشير هي نية النظام وعزيمته علي خوض حرب النفط في مواجهة دولة جنوب السودان وعلي الشعب السوداني أن يستعد ليس هذا العام كما جاء علي لسان رئيس الدولة بل ربما حتي إنتهاء ولايته لخوض حربٍ قادمة يراهن النظام علي طولها بحسابات غير دقيقة وتراهن حكومة جنوب السودان بمعطيات واقعية أنها حرب لن تدوم طويلاً ..فهل سيمضي النظام في سياسة الحرب هذه أم سيتراجع كعهده دائماً ؟؟ إنتظروا إنا معكم منتظرون .

عمر موسي عمر- المحامي
[email protected]

تعليق واحد

  1. اذا كان هذا النظام الهالك لا يستطيع حتي الان هزيمة الفرقة التاسعة والعاشرة من الجيش الشعبي بولايتي النيل الازق وجنوب كردفان فكيف يفكر في مهاجمة جيش لقنة دروس عندما كانت عصابات بلا سلاح حديث ولا كاكي والان اصبح جيش حديث يملك الطائرات الحربية الحديثة التي لم تسمع عنة الخرطوم حتي الان
    اذا اردتم شن الحرب فتزكروا المناورات العسكرية لكتيبة الجيش الشعبي بجبل اولياء بالخرطوم عندما ازهل المواطنين وارعب الموتمر الوطني

    :lool: الجيش اقدميات اهزم الفريق مالك عقار والفريق عبدالعزيز بعدين تجي للفريق اول سلفاكير:lool: :lool:

  2. الجيش السوداني جيش منهار تماما جيش بلا عقيدة قتالية
    كبار الجنرالات في الجيش السوداني يعملون في التجارة
    امثلا الفريق عندما ياخد المعاش يستلم مبلغ مليون ونصف
    بالجديد
    اللواء عندما ينزل المعاش يستلم مليون و250 الف
    العميد ينزل المعاش يستلم مليون جديد
    العقيد يستلم 950 الف
    جيش يرسل صغار الضباط وضباط الصف للمعارك العسكرية جيش
    غير محترم
    يجب ان يطلب قادة ورجال وعلماء الشعب السوداني من الرئيس المعتوه
    التنحي الفوري في حاله اعلان الحرب ضد دولة الجنوب
    اذا قامت هذه الحرب سيخسرها الجيش السوداني وسوف تكون
    هزيمة تسمي في لغة العسكريين والحرب كسر العظم
    كما انها لاستتمر اكثر من اسبوع وسوف يمني الجيش السوداني
    بهزيمة نكراء
    جيش دولة جنوب السودان وصلته بعد زيارة سلفا كير الي اسرائيل
    عدد 45 طائرة اباتشي مروحيات صائدة الدبات واسلحة الراجمات
    كما ان الرئيس سلفاكبر اخذ وعدا من رئيس الكيان الصهيوني
    بالدعم الفوري العسكري في حالة الحرب مع السودان وتقديم
    كافة الدعم الفني والعسكري بما فيها قاذفات b 52
    التي دكت قوات الحرس الجمهوري ابان حرب العراق
    لذا وبحكم اننا كنا ننتمي للمؤسسه العسكريه سابق
    نطلب من الرئيس البشير عدم الدخول في حرب مع دوله جنوب السودان
    وذللك حفاظا علي ابنائنا في القوات المسلحة من ضباط وعسكريين
    وجنود
    ولا نامت اعين الجبناء

  3. اتذكر بعد انتخابات الخج خرج علينا المشير الكذاب واعلن انه اصبح مدنيا واصبح مشير معاش ولاعلاقة له بالجيش … وبعد احداث ابيي ظهر علينا مسيلمة الكذاب وهو يلبس الكاكي ويشمر عن ذراع العسكر ! هذا البشير كذاب ولاعهد له وان قال شئ فعل عكسه ! بعدين منو المغفل ده البمشي يحارب ليهم عشان عرس السهيد وشوال سكر وبصل ورز وهم قاعدين مع ناس وداد في قصورهم وفيللهم ؟ الجيش السوداني لم يعد يحظي بإحترام شعبه لانه لم يقدم مايشفع له طرال عمره فلاخو حرر ارضا ولاحمي عرضا وكل ذخيرته موجهه لشعبه والاسوأ انه تدخل في السياسه بإنقلاباته الفاشله فأصبح مؤسسه فاشله وكل من ينتمي لها انسان فاشل يسعي لمصلحته الشخصيه من بيوت وسيارات ومخصصات ولاعلاقة لهم بحماية الوطن ! الجيش السوداني ليس سوي مافيه

  4. الحرب القادمه يجب ان يستدعى لها ابناء الوزراء والحكام وابناء الميرغنى واشقاء الرئيس وابنائهم .. وكذلك توجه الدعوة لرجال الكهنوت الدينى واصحاب الجلاليب القصيره ومن سار على دربهم .. هيا الى الجهاد وهبى هبى رياح الجنة .. نحن خلونا قاعدين فى سودانا ده لان جهنم ليست اسوأ منه بكثير ..

  5. استبعد أن يتجه الرئيس لحرب الجنوب قبل نهاية معركته المتوقعة مع الحركة الإسلامية وذلك عندما انتقد تصرفات ولاة المؤتمر وتشكيكه في انتخابهم ورفضه لمذكرات الإسلاميين في الإصلاح ورفض أيضا مذكرة الضباط الإسلاميين في الجيش (الكيانات) – وحديثه عن متابعة الفساد لم تكن مقنعة ولكن الأهم ان الرئيس لديه ملفات فساد باسم قيادات الحركة – التي تريد بالفعل التخلص منه وفي تشهيره بكاشا مؤشر إلى أن الأمر ينطبق على غيره _ ولهذا يريد أن يقول لهم خلوها مستورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..