في الرد على محمد حلا ـ بين المدينة والريف… وحدة الإنتاج أم صراع الجغرافيا ؟ (الحزء الثالث)

كيف يُستبدل الصراع حول السياسات بالصراع بين ضحاياها؟
إذا تجاوزنا ظاهر حديث الأستاذ محمد حلا، فسنجد أن القضية ليست الخبز ولا الذرة، وليست الباسطة ولا البيبسي، وإنما الطريقة التي يراد ان يُفهم بها الاقتصاد نفسه.
ففي الاقتصاد السياسي، وخاصة في التحليل الماركسي، لا تُدرس المدينة والريف باعتبارهما مجتمعين منفصلين، بل باعتبارهما جزءًا متكامل من تقسيم العمل الاجتماعي.
وليس الفصل بين العمل الذهني واليدوي.
فالريف ينتج الغذاء والمواد الخام، بينما تتركز في المدينة الصناعة، وهذا خطأ نتحدث عنه، والخدمات، والأسواق، والإدارة، والتمويل، والتعليم، والنقل.
وكل طرف يعتمد على الآخر في إعادة إنتاج المجتمع والاقتصاد.
ولهذا لا يمكن فصل المدينة عن الريف إلا في الخطاب السياسي الليبرالي بتاع محمد حلا، أما في الواقع الاقتصادي فهما يشكلان وحدة واحدة.
فالمزارع لا يستطيع الإنتاج دون الأسواق والخدمات، والمدينة والريف لا تستطيعا الحياة دون ما ينتجه الريف.
إنهما حلقتان في سلسلة إنتاج واحدة.
ومن هنا، فإن تصوير محمد حلا رفع الدعم وكأنه يضر المدينة وحدها، بينما ينجو الريف لأنه يأكل الذرة والدخن، ليس تحليلًا اقتصاديًا، بل اختزال لعلاقات الإنتاج إلى مجرد اختلاف في العادات الاستهلاكية.
من الاقتصاد إلى الجغرافيا
وهنا تظهر، في تقديري، أخطر نقطة في هذا الخطاب.
الليبرالي.
فعندما تتحول القضية من سؤال: هل رفع الدعم سياسة صحيحة؟ إلى سؤال: من الذي يستفيد من الدعم؟ المدينة أم الريف؟ فإن النقاش يغادر الاقتصاد السياسي إلى الجغرافيا السياسية.
بدلًا من مساءلة السياسات الاقتصادية، يبدأ الناس في مساءلة بعضهم بعضًا.
والشغل على خلق صراع بين الخرطومين والريف.
وبدلًا من السؤال عن دور الدولة، يبدأ السؤال عن أي إقليم يستحق الدعم أكثر.
وبدلًا من أن رفع الوعي حول العدالة الاجتماعية، يصبح النقاش حول توزيع الألم بين الأقاليم.
وهكذا في حديث محمد حلا يحول السياسة الاقتصادية من قضية وطنية إلى منافسة جهوية، ويصبح ضحايا السياسات الاقتصادية في مواجهة بعضهم بعضًا، بينما تغيب مساءلة السياسة نفسها.
ممارسة تغيب واضح.
▪ هل العدالة يامحمد حلا هي نقل الضرر؟
لنفترض -جدلًا- أن سكان المدن هم الأكثر استفادة من الدعم، أو أنهم سيكونون الأكثر تضررًا من رفعه.
هل يجعل ذلك رفع الدعم سياسة صحيحة؟
قطعًا لا.
فالسياسة الاقتصادية لا تُقاس بعدد المتضررين في هذا الإقليم أو ذاك، وإنما بقدرتها على رفع مستوى المعيشة، وتوسيع الإنتاج، وتحقيق قدر من العدالة والاستقرار.
فالعدالة لا تعني أن ننقل الضرر من الريف إلى المدينة، كما لا تعني أن ننقله من المدينة إلى الريف.
إن العدالة تعني تقليل الضرر عن الجميع.
ولهذا أجد أن هذا المنطق يشبه، في بنيته الفكرية، الخطاب الذي انتشر أثناء الحرب عندما قال بعض الناس: “دعوا سكان المدن والخرطوم يذوقون ما ذقناه.”
قد تختلف الوقائع، لكن البنية والذهنية المنطقية واحدة.
في الحالتين لا يجري البحث عن إنهاء المعاناة، وإنما عن نقلها.
وفي الحالتين لا يكون السؤال: كيف نمنع الألم؟
بل يصبح السؤال: من الذي ينبغي أن يتألم؟
وهذا ليس منطقًا اقتصاديًا، ولا منطقًا ثوريًا، ولا حتى منطقًا أخلاقيًا.
لأن الدولة لا تُبنى على إعادة توزيع المعاناة، وإنما على إزالة أسبابها.
من الصراع الطبقي إلى الصراع الجهوي
ومن منظور ماركسي، فإن هذا التحول ليس بريئًا.
فعندما يُعاد تعريف الأزمة الاقتصادية باعتبارها صراعًا بين المدينة والريف، أو بين المركز والهامش، ينزاح النقاش بعيدًا عن السؤال الأساسي: من يتحمل كلفة السياسات الاقتصادية؟
فالسياسة التي ترفع تكلفة الوقود لا تميز بين عامل في المدينة، أو مزارع في الريف، أو صاحب ورشة، أو سائق شاحنة، أو صياد، أو راعٍ.
الجميع يدفع الثمن، وإن اختلفت طريقة الدفع.
ولهذا فإن تحويل الصراع إلى مواجهة بين المدينة والريف يخدم، في النهاية، إخفاء طبيعة الصراع الحقيقية، وهي الصراع حول السياسات الاقتصادية، وكيفية توزيع أعبائها، ودور الدولة في حماية المجتمع.
إن المدينة والريف ليسا خصمين.
والخبز ليس خصمًا للذرة.
والقمح ليس خصمًا للدخن.
إنها كلها عناصر داخل اقتصاد وطني واحد.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: من يستفيد من الدعم؟
بل: من الذي يتحمل كلفة رفعه؟
وهنا نقترب من جوهر القضية.
فالمسألة لم تكن، في الأصل، خلافًا حول الخبز أو الوقود، وإنما كانت جزءًا من برنامج اقتصادي أشمل حملته روشتة صندوق النقد الدولي، وجاء إلى السودان تحت عنوان “الإصلاح الاقتصادي”.
وهذا هو ما ينبغي أن نناقشه.
كيف تنتصر الثورة السودانية لقضايا الشعوب المنتجة للخيرات المادية



