مقالات وآراء

من السيف إلى البندقية: داحس والغبراء وحرب السودان، حين يعجز العنف ويتكلم العقل

لا يعمل التاريخ بوصفه ذاكرة محايدة للأحداث، بل باعتباره بنية تفسيرية تكشف عن أنماطًَا متكررة في السلوك الإنساني، خاصة حين يتعلق الأمر بالحرب بوصفها أعلى أشكال العنف المنظم. فالحروب الطويلة، بحسب أدبيات علم الاجتماع السياسي، لا تستمر لقوة أسبابها الأولى، بل بفعل ما يسميه تشارلز تيلي إعادة إنتاج العنف عبر المصالح، حيث تتحول الحرب من وسيلة إلى غاية، ومن حدث استثنائي إلى نظام حياة. وبين السيف في صيغته القديمة، والبندقية في تجليها الحديث، يتبدل الشكل ولا يتغير الجوهر، إذ يظل العنف، حين ينفلت من العقل، عاجزًَا عن إنتاج سلام أو دولة.

ومن هذا المنظور، تصبح المقارنة بين حرب داحس والغبراء والحرب السودانية الراهنة قراءة بنيوية لآلية اشتغال الصراع، حين ينتقل من السيف بوصفه أداة فروسية إلى البندقية بوصفها أداة سلطة، دون أن يصاحب هذا الانتقال تحول موازٍ في منطق الحكم أو في بنية الدولة.

لقد امتدت حرب داحس والغبراء قرابة أربعين عامًا، وهي مدة كافية لتحويل سببها الأول، سباق خيل، إلى مجرد ذريعة رمزية، بينما كانت البنية العميقة للحرب تقوم على العصبية، والثأر، وانعدام سلطة مركزية قادرة على فرض السلم. كان السيف آنذاك أداة الحرب، لكنه لم يكن سببها الحقيقي. وهو ما ينسجم مع تصور ابن خلدون لاحقًا، حين ربط دوام الحروب بانهيار العمران وغياب الدولة الجامعة. لم تنته هذه الحرب بانتصار السيف، بل حين انهار منطق الحرب ذاته بفعل الاستنزاف، وتدخل فاعلان من خارج معادلة القوة، الحارث بن عوف المري وهرم بن سنان المري، ليدفعا ديات القتلى من أموالهما، في فعل يمكن قراءته اليوم بوصفه شكلاً بدائيًَا لما يعرف في دراسات النزاعات بالسلام التعويضي.

هذا التحول من منطق السيف إلى منطق العقل هو ما التقطه زهير بن أبي سلمى، لا بوصفه مادحًا قبليًَا، بل بوصفه شاعرًا أخلاقيًَا يرى في السلام قيمة أعلى من الفروسية، حين قال:
تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا تَفَانَوْاوَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشِمِ
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًابِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ القَوْلِ نُسْلِمِ

وحين ننتقل إلى الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023، نجد أن البنية ذاتها تعيد إنتاج نفسها في سياق معاصر. فالحرب ليست مجرد صراع مسلح بين الجيش والدعم السريع، بل نتيجة لمسار طويل من تسييس العنف، وتفكيك الدولة، وخلق قوى موازية للمؤسسة الوطنية. هنا تحل البندقية محل السيف، لا بوصفها تطورًا حضاريًَا، بل بوصفها أداة سلطة خارج العقد الاجتماعي، وهو ما حذر منه ماكس فيبر، حين ربط قيام الدولة الحديثة باحتكار العنف المشروع. لقد قوضت الحركة الإسلامية هذا الاحتكار، ففتحت المجال لتعدد البنادق، وأنتجت دولة هشة، قابلة للانفجار عند أول اختلال في ميزان القوة.

وفي هذا السياق، صار الدعم السريع، في الوعي الجمعي الوطني، قوةً منبوذةً، تشكلت برؤية قاصرة لا ترى في الدولة سوى غنيمة، ولا في البندقية سوى وسيلة دائمة للحضور. فالقوة التي تنشأ خارج منطق الدولة، ولا تستند إلى شرعية سياسية أو أخلاقية، لا يمكن أن تتحول إلى فاعل وطني مستقبلي. إن البندقية التي لا تخضع للعقل ولإجماع المجتمع تتحول، كما تحول السيف في حروب الجاهلية، من رمز قوة إلى عبء تاريخي.

ومع تفاقم الكارثة الإنسانية، وخروج الحرب عن كونها شأنا داخليًَا، بدأ المجتمع الدولي، بعد تردد طويل، يدرك أن استمرار الصراع لم يعد يهدد السودان وحده، بل الاستقرار الإقليمي برمته. فقد أنتجت الحرب واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في العصر الحديث، من قتل جماعي، ونزوح واسع، وانهيار شامل لمقومات الحياة، وهي نتائج لم تعد قابلة للتجاهل أو الحياد. ومن هنا، جاء تدخل المجتمع الدولي لا بدافع أخلاقي مجرد، بل بوصفه استجابةً لواقع انفجاري فرضته البندقية وداعموها.

في هذا السياق، برزت مجموعة الرباعية بوصفها محاولة لإعادة إدخال العقل إلى ساحة فقدت منطقها، ليس عبر فرض حلول قسرية، بل عبر الضغط لإنهاء الحرب وفتح مسار سياسي شامل. كما شكل تدخل الأمير محمد بن سلمان محطةً مفصليةً، حين انتقل الملف من دائرة البيانات إلى مستوى الفعل السياسي المباشر، عبر طلبه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخل لإنهاء الحرب، إدراكًا لخطورة استمرارها، ولأن كلفة الصمت باتت أعلى من كلفة التدخل. وقد تزامن ذلك مع تحرك ترامب نفسه باتجاه فرض مقاربة أكثر صرامة، شملت الدفع نحو تصنيف الحركة الإسلامية منظمةً إرهابيةً، في اعتراف متأخر بأن هذه الحركة لم تكن مجرد فاعل سياسي، بل بنيةً أيديولوجية لعبت دورًا مركزيًّا في تفكيك الدولة، وتسييس العنف، وإطلاق البندقية من كل قيد وطني أو أخلاقي.

هذا المأزق ليس استثناءً في التاريخ. فالحرب الرواندية، التي اندلعت عام 1994، بدأت بانفجار عنيف لهويات غذتها السلطة والسلاح، وانتهت، بعد كارثة إنسانية شاملة، بإدراك جماعي أن استمرار البندقية يعني فناء الوطن. لم تخرج رواندا من الجحيم بانتصار فصيل على آخر، بل بتجريد العنف من شرعيته، وتفكيك سرديات الكراهية، وإطلاق مسار مصالحة وطنية شاملة أعادت تعريف الدولة على أساس المواطنة.

هذا الإحساس بالفقد والاغتراب عن الوطن عبّر عنه الشعر العربي الحديث بعمق وجودي، حين لم يعد الوطن مكانًا آمنا بل جرحًا مفتوحًا، كما يقول محمود درويش:
وَطَنِي إِنِّي سَكَنْتُكَ حِينَ لَمْ تَسْكُنِي
وَعَرَفْتُكَ حُرًّا وَلَمْ أَعْرِفْكَ سِجْنًا وَلَا مَنْفًى

وفي موضع آخر، وهو أكثر التصاقًا بمأساة الحرب والاقتلاع، عبّر الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري عن معنى الوطن الذي لا يقبل الدفن، فقال:
مِثْلِي أَنَا لَيْسَ يَسْكُنُ قَبْرًا
لَا تَحْفِرُوا لِي قَبْرًا
سَأَرْقُدُ فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ

بهذه الرؤية، يتحول الوطن من جغرافيا مهددة إلى قيمة كلية، لا يمكن دفنها ولا اختزالها في سلطة أو بندقية. فالوطن، في الشعر كما في السياسة، لا يموت بانهيار الدولة، بل يظل كامنا في الوعي الجمعي، بوصفه حقًّا أخلاقيًّا لا تملكه القوة ولا تصادره الحرب.

أما الفكرة الأخلاقية العليا للسلام، كما عبّر عنها زهير، فهي أن الحروب ليست مرفوعًا لها راية فخر، بل درسا قاسيا في القيم، حين قال:
وَمَا الحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ
وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ

وفي الشعر الفيكتوري، يعكس ألفريد تينيسون مأساة الجنود وتحولهم إلى أدوات صامتة في آلة الحرب، كما في قوله:
Theirs not to reason why,
Theirs but to do and die

حيث يظل الفرد مسلوب الإرادة، تمامًا كما يفقد المواطن في الحروب الأهلية صوته وفاعليته، ويطلب منه فقط الصبر أو التضحية.

لهذا، فإن الخروج من الحرب في السودان لا يمكن أن يتم عبر إعادة توزيع القوة بين البنادق، ولا عبر استدعاء أمجاد السيف، بل عبر مصالحة وطنية شاملة، جامعة لكل القوى السياسية والاجتماعية، تقوم على تجرد حقيقي من المصالح الذاتية والقبلية، وعلى إعادة بناء الدولة بوصفها عقدًا أخلاقيًّا قبل أن تكون جهازًا قسريًّا. فالتدخل الدولي، مهما بلغ، لا يمكن أن يحل محل إرادة وطنية تعترف بفشل العنف، وتعيد للعقل مكانته بوصفه أداة الفهم والتدبير، لا أداة التبرير.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية تاريخية خاصة على الحركة الإسلامية، التي باتت مطالبة بأن تخلع عباءةً أيديولوجيةً اهترأت وتآكلت من داخلها، وفقدت شروط الفاعلية الأخلاقية والسياسية. فلم تعد تلك الأيديولوجية قادرة على إنتاج معنىً وطنيًّا جامعًا، ولا على تقديم أفق للخلاص، بل تحولت إلى عبء ثقيل يجر البلاد إلى ماضٍ لم يعد صالحًا للحياة. إن الإصرار على التمسك بها، بعد ثورة ديسمبر، لا يعني سوى تسريع السقوط في نهاية مأساوية، لا تضر خصومها وحدهم، بل تضر الوطن كله.

لم تنته داحس والغبراء بانتصار السيف، ولم تنته رواندا بانتصار البندقية، بل بانتصار فكرة السلام على منطق العنف ذاته. والسودان اليوم أمام لحظة مماثلة: إما أن يواصل الدوران في حلقة الحرب، وإما أن ينتج لحظته العقلانية الخاصة، حيث تتراجع البنادق، ويستعيد العقل حقه في الكلام. فالحروب، مهما طال أمدها، لا تكتب نهاياتها بالسيف ولا بالبندقية، بل بالعقول التي تجرؤ، في اللحظة المناسبة، على أن تقول: كفى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..