مقالات وآراء

عاشقة على حافة المدن: في حضرة غادة السمان

 

ثمّة كاتبات يُضيئن حياتنا مثل نجمةٍ تُطلّ فجأة في سماء مكتظّة بالظلام. لا تحتاج إلى أن تراها طويلًا حتى تعرف أن حضورها غير عابر، وأن ما تحمله يختلف عمّا اعتدناه. من هؤلاء تأتي غادة السمان؛ امرأة لا تزال نصوصها تمشي بيننا كما تمشي النار في الهشيم، تهمس حينًا وتصرخ حينًا، وتظل دائمًا تمسك القارئ من يده وتقوده إلى أعماقٍ لم يكن يتخيّل أنه قادر على بلوغها.

وفي عالمٍ يتنازع فيه الإنسان بين خوفه ورغبته في الانعتاق، تظهر أصواتٌ قادرة على تحويل هشاشة الروح إلى شمسٍ تُضيء وتفضح وتُدهش. من بين تلك الأصوات التي لا يشبهها أحد، تتوهّج غادة السمان—المرأة التي خرجت من عباءة الواقع، لا لِتتمرد عليه فحسب، بل لتعيد رسم خرائط الوجد الإنساني. هي امرأة قاربت الحياة من حوافها، وكتبت من جوف التجربة، ومن قلب الخسارات التي صنعت مجدها الإبداعي. وحين نقرأها، ندرك أن الأدب ليس مجرد كلمات، بل هو طقسٌ من التحوّل، عبورٌ من الظل إلى النور.

ولدت غادة السمان في دمشق عام 1942، في بيئةٍ ثقافيةٍ حفرت في روحها مبكرًا معنى القراءة والبحث والتمرّد الهادئ. كان والدها، المثقف القانوني، بوابتها الأولى إلى الأدب العربي والإنساني، فكبرت وشهوة المعرفة تسري في دمها، وقلق الحرية يرافقها كظلّ لا يفارق الجسد. درست الأدب الإنجليزي، وانفتحت على لغات وثقافات متعددة، قبل أن تحملها التحولات الكبرى إلى بيروت، المدينة التي ستصبح لاحقًا جرحها المفتوح ولغتها الثانية ومرآتها التي كُتبت عليها أجمل أعمالها. ومن دمشق إلى بيروت إلى باريس، كانت السمان تجمع شظايا المدن داخلها، وتصوغها نصوصًا تُشبه امرأة تمشي بين الركام حافية القدمين، لكن رأسها مرفوعٌ نحو السماء.

حين نقرأ غادة السمان، ندرك أننا أمام حالة فكرية وعاطفية لا تتكرر. فهي لا تكتب لتزيين العالم بل لكشفه. في قصصها ورواياتها، ترتفع اللغة إلى مستوى المشهد الداخلي: جملٌ مشتعلة، وصور تتكسّر كالضوء على حافة روحٍ قلقة. تكتب كأنها تهرب من شيء وتتجه نحوه في آن واحد. وحين نقرأها نشعر أننا نمسك قلبًا نابضًا بين أيدينا، وأن كل كلمة كتبتها خرجت من توترٍ داخلي لا يُخفى.

ولعلّ من أكثر اللحظات دلالة على طبيعة غادة السمان الداخلية، تلك الإجابة العجيبة التي قدّمتها يوم سُئلت عن أكلتها المفضلة، فقالت: «الجوع». لم تكن تلك جملة عابرة، بل كانت مفتاحًا يفتح أبوابًا واسعة على فهم روحها. الجوع عندها ليس إحساسًا بيولوجيًا، بل حالة يقظة؛ جوع للمعنى، جوع للحب، جوع للكتابة، جوع للحرية، جوع للمدينة التي لا تستقر، وللمعرفة التي لا تنتهي. هكذا كانت غادة—امرأة تشبه نارًا تمشي، لا تشبع من الحكايات، ولا من المغامرة، ولا من طرح الأسئلة. كانت تؤمن أن الشبع يقتل اليقظة، أما الجوع فيُبقي الروح مفتوحة على احتمالاتها كلها. ولذلك قالت «الجوع» وكأنها تقول: أنا أرغب دائمًا في المزيد من الحياة.

تغوص غادة في الأسئلة التي يتفاداها كثيرون: من أنا؟ ما معنى أن يكون الإنسان حرًا؟ كيف نعيش وسط الخراب دون أن نهزم أنفسنا؟ ليست هذه الأسئلة ترفًا لديها، بل جزءًا من نسيج تكوينها النفسي والوجودي. تتقاطع في أعمالها الذاتُ العاشقة الثائرة المتوترة، والعالم الخارجي بتقلباته العاصفة، والسؤال الوجودي الخالص عن الحرية ومعنى الإنسان.

في «كوابيس بيروت» و«بيروت 75» لا تنقل السمان الحرب بوصفها حدثًا خارجيًا، بل بوصفها كارثةً داخلية. تكتب الخوف والجوع والحنين وضياع المدن كما تضيع الأرواح، وتمنح القارئ صورة للحرب لا يمكن أن تُرى إلا من خلال امرأة وجدت نفسها داخل الجحيم، فلم تملك سوى الكتابة لتنجو. لم تكن شاهدة فقط، بل جزءًا من المشهد، من الألم، من الصراخ المكتوم خلف الجدران.

وهنا، في المسافة بين الجرح والكتابة، تتسع خطوة غادة لتصبح قارة كاملة. فمن يقرأ غادة—لا كتابًا واحدًا، بل مجرّتها الواسعة—يكتشف أن الوردة التي يلاحقها بها ليست زينة في يد قارئٍ مأخوذ بنص، بل علامة صغيرة على دخوله أرضًا لا تشبه أي أرض. يبدأ الطريق عادة من رحيل المرافئ القديمة، فيظن أن الحكاية مجرد موجة تعب، فإذا بالمرفأ يتحوّل إلى مدينةٍ من الأمواج الداخلية.

ثم ينساب إلى «أعلنت عليك الحب»، ذلك الكتاب الذي لا يهب القارئ عاطفة بل يجرّده من أقنعته. ومع «شهوة الأجنحة» يدرك أن غادة لا تطير وحدها؛ بل تجرّ القارئ معها إلى العلوّ الذي يدوخ، وإلى الحافة التي لا تُمسك.

ثم تأتي المحطة التي يُعاد فيها تعريف الألم: «تسكّع داخل جرح». هذا العمل لا يُقرأ للمعرفة، بل للتوهان المقصود؛ جرحٌ يتمشى فيه الإنسان كما يتمشى في شارع قديم يعرفه ولا يعرفه، بينما الوردة في يده تتفتح وتتسع. ويبلغ القارئ ذروة ارتباكه حين تعود إليه رسائل غسان كنفاني، فيتبدّل معنى الوردة: لم تعد تخصه وحده، بل أصبحت ميراثًا عاطفيًا بين قلوب كثيرة، وطريقتها الخاصة في المشي نحو الضوء.

ومع «لا بحر في بيروت» و«القمر المربع» و«ليلة المليار»، يفهم القارئ أنه لا يتابع كاتبة، بل يتابع امرأة صنعت من كتبها مدنًا، ومن المدن مرايا، ومن المرايا بابًا إلى ذات أكبر. وكلما تقدّم خطوة في عالمها، حمل وردته كمن يحمل اعترافًا داخليًا أنه صار جزءًا من سلالة غامضة من العاشقين الذين كتبت لهم غادة دون أن تعرف أسماءهم.

أما الذين كتبوا عنها—النقاد والدارسون والعشاق المتخفّون—فقد خرجوا جميعًا بالارتعاشة نفسها. حاولوا أن يفسّروا لغتها فانزلقت من بين أصابعهم. كل واحد منهم كتب عنها وهو يمسك الوردة ذاتها، لكن أصابعه ترتجف أكثر؛ لأنهم لا يكتبون عن كاتبة، بل عن كائن لغويّ لا يُقاس. من غالي شكري إلى حنان عوّاد إلى الدراسات التي قرأت تمردها وحرّرتها، ظل الجميع يشير إلى الحقيقة ذاتها: الاقتراب من غادة يشبه محاولة الإمساك بالريح. وكل نص كُتب عنها كان يحمل هذا الارتباك الداخلي الدافئ، وكأنه شهادة غير معلنة بأن غادة لا تُفهم حتى النهاية، بل تُعاش.

أما العشق عند غادة السمان فهو حالة كونية، لا مجرد علاقة عاطفية. في رسائل غسان كنفاني إليها نلمس تلك المنطقة السرية التي يلتقي فيها القلب بالفكرة، والمقاومة بالحنين، والوطن بالأنثى. غسان كتب لها كما لم يكتب لغيرها، وكأنها كانت الباب الذي يهرب إليه حين تضيق به البلاد. أما هي، فكانت تكتب العشق كرحلة إلى جوهر الإنسان، وكأنها تؤمن بأن الحب ليس اختيارًا بل قدرًا يتمّ في لحظة لا تشبه ما قبلها وما بعدها.

وحدها غادة السمان كتبت الجسد بلا ابتذال وبلا خوف. لم تتعامل معه كموضوع، بل ككيانٍ ثقافي ووجودي: ذاكرة، صوت، احتجاج، إعلان حرية. صدمت الكثيرين، لكنها في الحقيقة حرّرت النص العربي من تردده القديم، وجعلت الجسد جزءًا من معركة الوعي، لا من جانبها الهامشي.

والغربة عندها ليست جغرافيا، بل حالة روحية. باريس لم تكن مدينة لها بقدر ما كانت منفىً مؤقتًا، وبيروت حبّها الجارح، ودمشق جذرها الأول الذي لم ينقطع يومًا. لم تنتمِ إلى مدينة، بل إلى الفكرة: أن الأوطان قد تخونك، أما الكتابة فلا تفعل.

هكذا يصعب اختزال غادة السمان في جنس أدبي محدد. فهي روائية وقاصة وشاعرة وصحفية وصوتٌ فكري عميق، أثّر في أجيالٍ كاملة من الكاتبات والكتّاب. جعلت الأدب العربي أكثر جرأة وصدقًا وحميمية، وكشفت المساحات التي ظلت مهملة في التجربة الإنسانية.

وفي النهاية، لا تُقرأ غادة السمان وتُطوى. إنها فصل ممتدّ من تاريخ الحلم العربي، من جراحه، ومن عشقٍ لم يكتمل، ومن حرية لا تزال تبحث عن اسمها. تمسك القارئ من يده، وتتركه أمام مرآة لا تخفي شيئًا. إنها المرأة التي حملت قنديلها الخاص ومشت في العتمة، وها نحن نمشي خلفها لأن الضوء الذي تصنعه لا يشبه ضوء أحد. تبقى غادة السمان امرأة من إبداع صافٍ، ومن تجلٍّ لا ينتهي، ومن لغةٍ تفيض بالحياة حتى وهي تكتب عن الموت.

 

 

‫3 تعليقات

  1. شكرآ أستاذ ماجد على الغوص بنا في عوالم المرأة المبدعة غادة السمان . مقالك رائعٌ صافٍ وفيه تجلٍ واضحُ عبر لغةٍ تخرج من نبضٍ ارتشف كثيرآ من وهج الغادة السمانية .
    طافت بذهني – أثناء قراءتك – أحلام مستغانمي وإبداعها الخارج على عوالم الكتابة التقليدية والقصص النمطية . فهل ترى مساحة للمقارنة بينها وغادة السمان ؟ أتطلع أن أقرأ لك مقالآ يقارن بينهن .
    لك الشكر أجزله من قبل ومن بعد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..