حصاد حرب الندامة

التوم حاجة الصافي
ما يجري في السودان ليس حربا عابرة بين أطراف متنازعة، بل فضيحة دولة جرى اختطافها على مرأى شعبها، ثم أُجبرت على القتال دفاعا عن خاطفيها. فالحرب التي أُشعلت بذريعة الشعارات الكبرى كشفت، بلا رتوش، أن جوهر المعركة لم يكن حماية الوطن ولا صون سيادته، بل إعادة تثبيت مشروع سلطوي قديم بواجهة عسكرية جديدة، مشروع لا يرى في الدولة سوى غنيمة، ولا في الجيش سوى أداة.
المعضلة الأخطر أن عملية إعادة تشكيل المنظومة العسكرية الجارية الآن لا تسير في اتجاه المهنية أو الإصلاح، بل في اتجاه التمكين الأيديولوجي الصريح. فبدلا من تفكيك إرث الاختراق التنظيمي، يجري تعميقه بصمت، وبدلا من بناء عقيدة وطنية جامعة، يُعاد تدوير عقيدة الولاء. وهنا تتحول المؤسسة من كيان يفترض أنه قومي إلى بنية مشدودة بخيوط خفية، ظاهرها مؤسسة رسمية وباطنها جهاز يخضع لتوجيهات لا تُكتب في الأوامر العسكرية بل تُهمس في غرف التنظيم.
إن تعدد المليشيات ليس عرضا جانبيا في هذه المأساة، بل هو الدليل الفج على طبيعة البناء نفسه. فحين تتكاثر التشكيلات المسلحة خارج إطار الانضباط المؤسسي، فهذا يعني أن معيار القوة لم يعد القانون بل القرب من مركز النفوذ. وكل قوة مسلحة لا تنصاع لذلك المركز تصبح عدوا مؤجلا، حتى لو رفعت ذات الشعارات. وهكذا تتحول البلاد إلى حقل ألغام مؤجل الانفجار، حيث لا يُخشى العدو الخارجي بقدر ما يُخشى الحليف المختلف.
الأخطر من ذلك كله هو الانهيار المتسارع في الثقة الشعبية. فالمواطن الذي يرى مؤسسة تحمل اسم القوات المسلحة السودانية لكنها تتحرك بعقلية فصيل، لن يصدق البيانات مهما بلغت فصاحتها، لأن الثقة لا تُبنى بالبلاغة بل بالسلوك. والناس، خاصة العقلاء منهم، لا يحتاجون إلى تقارير استخباراتية ليدركوا الحقيقة؛ يكفيهم أن ينظروا حولهم ليروا أن المسافة بين الاسم والواقع صارت شاسعة إلى حد الفضيحة.
لقد عرّت الحرب حقيقة طال إخفاؤها: المشكلة ليست نقص السلاح بل غياب المؤسسة الوطنية. فالدولة التي تُدار بمنطق التنظيم لا يمكن أن تنتج جيشا قوميا، والجيش الذي يُبنى على أساس الولاء لا يمكن أن يحمي شعبا يختلف معه. ومن هنا خرجت العبارة التي تلخص المشهد كله: ليست الأزمة أننا بلا قوات، بل أننا بلا جيش. وهذه ليست مبالغة خطابية، بل حكم واقع كتبته الوقائع بالدم.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة ليس هزيمة عسكرية، بل مؤسسة يفترض أنها درعها فإذا بها تتحول إلى أداة ضغط عليها. فالهزيمة تُعالج بإعادة التسليح، أما فقدان الثقة فلا يُعالج إلا بإعادة التأسيس. والتاريخ يعلمنا أن الدول قد تنهض بعد الحروب، لكنها لا تنهض أبدا إذا استمرت مؤسساتها رهينة لمشاريع ضيقة. ولهذا فإن أي حديث عن مستقبل مستقر سيظل وهما ما لم يُحسم السؤال الجوهري: هل يُعاد بناء الدولة للوطن… أم يُعاد تشكيلها للتنظيم؟



