إعلام الاغبياء .. دعوة العودة إلى خرطومٍ تموت فيها الفئران جوعاً !!

ميرغني أبشر
تعيش حكومة بورتسودان مأزقاً سياسياً ودبلوماسياً متفاقماً، فرضته عزلة خارجية آخذة في الاتساع، وانغلاق شبه كامل لقنوات التأثير الدولي. هذا الانسداد لم يُنتج مراجعة عقلانية للمسار، ولا دفعاً نحو تسوية توقف نزيف البلاد، وإنما قاد إلى استدعاء أدوات قديمة من سجل العنف الرمزي والسياسي، ألحقت ضرراً بالغاً بما تبقى من صورتها الأخلاقية أمام الداخل والخارج معاً.
في هذا السياق، لجأت السلطة إلى تحريك بقايا نظامها السياسي المُباد، من كوادر المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية الراعية، ومعهم الغوغائية الإعلامية المعتادة، في محاولة مكشوفة لعرقلة جولة دولة رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك وقيادات القوى المدنية الداعية للتحول الديمقراطي في عواصم الاتحاد الأوروبي، ومؤسساته التشريعية والتنفيذية، إضافة إلى المنظمات المتخصصة في الشأن الإنساني والعدلي.
الهدف لم يكن خفياً: تشويه أي جهد يسعى إلى وقف الحرب، وتجريده من شرعيته الأخلاقية، ودفعه قسراً إلى خانة التخوين والعمالة، في واحدة من أكثر صور الانحدار الأخلاقي فجاجة في الخطاب السياسي السوداني الحديث.
خرجت الأبواق الإعلامية الموالية، المتربصة منذ وقت إعلان الجولة، لتروّج سردية مفادها أن تحالف «صمود» يسعى إلى صناعة شعبية مصطنعة عبر تحركاته الخارجية. هذا الادعاء يتهاوى من داخله عند أول اختبار منطقي، إذ إن الخطاب نفسه ينخرط في إدانة زيارة قادة «صمود» لإدارة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وارشادها إلى أدلة موثقة تتعلق باستخدام الجيش السوداني، ومعه شبكاته التنظيمية، لمواد سامة قاتلة في مناطق مأهولة بالمدنيين، لإخراج قوات الدعم السريع من الخرطوم وتخومها وقتها، بعد أن عجز عن مجاراتها في الحرب التقليدية.
خرجت الأبواق الإعلامية الموالية، المتربصة ، لتروّج سردية مفادها أن تحالف «صمود» يسعى إلى صناعة شعبية مصطنعة عبر تحركاته الخارجية. ويتهاوى هذا الادعاء عند أول اختبار منطقي، ففي الوقت الذي يزعم فيه هؤلاء أن الشعب يساند الجيش، يدّعون في المقابل أن «صمود» تريد كسب شعبية خلال جولتها الأوروبية عبر تقديم أدلة تُدين الجيش نفسه. وهو تناقض فادح لا يستقيم عقلاً ولا سياسة، إذ إن من يبتغي الشعبية لا يمكنه، بحال، أن يُدين الجهة التي يُفترض أن الشعب يلتف حولها. هذا الارتباك لا يعكس ضعف الحجة فحسب، وإنما يكشف حالة عجز عن إنتاج سردية متماسكة يمكن الدفاع عنها خارج دوائر التلقين والتعبئة.
ويمتد هذا الارتباك إلى محاولات بعض الأصوات، من محدودي المعرفة بطبيعة النظام الدولي، التقليل من شأن زيارة سياسيين لمنظمة فنية متخصصة، بزعم أن هذه المنظمات هي التي تصدر التقارير ولا تُستدعى للتحقق. هذا الطرح يتجاهل، أو يجهل، حقيقة أن أحد أهم أدوار منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يتمثل في التحقيق في الادعاءات المتعلقة بالاستخدام المزعوم لتلك الأسلحة. فالمنظمة، وفق نظامها الأساسي، تستجيب لاتهامات الاستخدام عبر إرسال فرق تحقيق ميدانية، تجمع الأدلة، وتجري مقابلات مباشرة مع الشهود والضحايا، وتوثق النتائج وفق معايير علمية وقانونية صارمة. هذا هو جوهر عملها، وليس تفصيلاً ثانوياً كما يحاول البعض تصويره.
في المقابل، تعكس الجهود الدبلوماسية التي تضطلع بها قوى الثورة المدنية وعياً متقدماً بحجم المخاطر المترتبة على استمرار الحرب، ليس على السودان وأهله فحسب، وإنما على الأمن والسلم الإقليميين والدوليين. القبول الذي تحظى به هذه الجهود داخل دوائر الاتحاد الأوروبي ومؤسساته الفاعلة لا يأتي من فراغ، وإنما يستند إلى إدراك دولي بأن ما يجري في السودان تجاوز كونه صراعاً داخلياً، وأصبح أزمة ذات تداعيات عابرة للحدود.
أحد أخطر هذه التداعيات تمثل في النفوق الواسع للحياة البرية والمائية في كامل حوض النيل الأسفل، وهي مشاهد وثقتها منصات التواصل بصور صادمة، يصعب تفسيرها خارج إطار التأثيرات السمية القاتلة، وعلى رأسها غاز الكلور. هذا الواقع يفتح أسئلة مقلقة حول ما يحمله السكان في أجسادهم من آثار التعرض لتلك المواد، ويضع المسؤولية الأخلاقية والقانونية على عاتق من يملكون قرار الحرب وإدارتها.
في مواجهة هذه الكارثة، لجأ مسؤولو حكومة الأمر الواقع، ومعهم زمرتها الكيزانية، إلى تبريرات تفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق، فعزوا نفوق الحياة البرية إلى انعدام الغذاء وانقطاع السلسلة الغذائية. تبرير يبدو مضحكاً مبكياً في آن واحد، إذ يفترض أن ملايين الفئران جاعت في اللحظة نفسها، ونفقت في اللحظة نفسها، وظهرت للعيان في اللحظة نفسها، محتفظة بسمنتها، من دون أن تمر بأي مرحلة هزال أو ضعف تدريجي. هذه ليست رواية علمية، وإنما محاولة يائسة للاستخفاف بعقول الناس.
الأكثر قسوة أن هذه السلطة نفسها تدعو السكان، تحت الضغط والقهر، إلى العودة لمنازلهم في مناطق مهددة، ليصبحوا غطاءً بشرياً في مواجهة هجوم واسع وشيك تخشاه من تقدم قوات الدعم السريع، التي تشير المعطيات المتداولة إلى تمشيطها تخوم غرب أم درمان.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الذي لا يمكن الالتفاف عليه: كيف يُطلب من الناس العودة إلى مناطق يُقال إن فئرانها تموت جوعاً؟ وكيف يُراد للمدنيين أن يعيشوا حيث يُنكر وجود الخطر، بينما الشواهد البيئية والإنسانية تصرخ بعكس ذلك؟
هذه ليست دعوة للحياة، وإنما مقامرة بأجساد البشر، في سياق حرب فقدت منذ زمن طويل أي ادعاء للشرعية أو العقلانية.


