مقالات وآراء

الفتنة الكبرى والبلاء العظيم

إبراهيم سليمان

لم يتوقع أكثر السودانيين تشاؤما أن تصل الأوضاع العسكرية والأمنية في البلاد ، ما حدث صبيحة يوم السبت الخامس عشر من شهر أبريل الجاري ، ظانين ظنا حسنا أن قائدا المكون العسكري الفريق عبدالفتاح البرهان ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو ، أعقلا من أن يشعلا حربا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ، يقضي على الأخضر واليابس في البلاد ، لكن وقع الفأس في الرأس ، كقدر محتوم ، لارتهان مصير البلاد لحكم العسكر لعقودٍ عددا.
اشتعال المواجهات الشاملة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ، لا يحتمل حياد المواطن السوداني ، في رفض مبدأ الحرب كأسلوب بغيض لحسم الخلافات بين القائدين ، وكذلك من الصعوبة بمكان لأي وطني غيور ، أنّ يجد مساحة رمادية ، للتحّصن بها والتمّلص من واجب الوقوف إلى جانب القوات المسلّحة السودانية ، والتي في الحقيقية هي تتسربل بوشاح القومية ، لتمرر عودة حزب المؤتمر الوطني ، لتعود البلاد إلى ربق حكم الإسلاميين بكل جبروتهم ، وقهرهم وتسلطهم على رقاب الناس ، أو مساندة قائد الدعم السريع كقائد مليشي ولدت قواته من رحم القوات المسلحة ، والذي يقف بصلابة  ضد عودة حزب المؤتمر الوطني للحكم ، كما يقف سندا منيعا للمكونات السياسية الداعية إلى عودة العسكر للثكنات ، وتأسيس الحكم المدني- الديمقراطي.
هذان الخياران ، يمثلان بجد امتحان عسير ، وبلاء عظيم للشعب السوداني ، لم يمر بمثله من قبل خلال تاريخه السياسي الحافل بالمحن والإحن.
صبيحة يوم السبت الخامس عشر ، وجد الناس أنفسهم ، بين أن يكونوا وطنيون (عاطفين) ليختاروا بين عودة الكيزان للحكم ، بدلا عن دعم القائد المليشي القادر واقعيا على صد كتائبهم المسلحة ، ومنع عودتهم لحسابات خاصة به.
يقينا ، من اكتوى بعذابات الإسلاميين ، لن يدعم عودتهم تحت أي مصوغ ، إن كان صادقا مع نفسه ، ذلك أن استعادتهم للسطلة ، تعني الموت الزؤام والفناء الرخيص ولا شيء غيرهما ، وأنّ تقدير الحفاظ على الأنفس ، مقدم على ما سواه ، والمضطر مباح له “النبيلة”، ولا مناص من ترك العاطفة والمثالية الوطنية جانبا ، ذلك أنه المساعدة في عودة الكيزان ، ليس خيارا.
القوات المسلّحة السودانية ، هي من صنعت قوات الدعم السريع ، وحزب المؤتمر الوطني هو من شّرع لقانونية تأسيسها والتصاقها بالجيش السوداني القومي ، رغم اعتراض القوى السياسية ، استعانت بها ، لضرب مكونات مسلحة ، ثم استقوت بها في انقلاب الـ 25 من أكتوبر ، ولما شبّ عن الطوق ، يستنجد قائد الجيش السوداني ، الراعي الرسمي لمنظومة الاسلاميين ، بالمواطنين الذين كانوا ضحايا لطموحاتهما ، للوقوف إلى جانبه ، ضد نائبه ، باسم الوطن والقوات المسلحة الرسمية! . في محاولة استغفال مفضوحة.
مما لا شك فيه ، استحالة أن تسع البلاد أيٌ من الفريقين البرهان وحميدتي ، بعد أحداث السبت المشؤومة ، حتى إن انتصر أحدهما على الآخر ، رغم أنهما لم يكونا خيارا الشعب من أساسه ، والآن لا صوت يعلو فوق صوت قعقعة السلاح ، والمشهد الليبي بملامح سورية الذي كنا نظن أننا بمنأى عنه ، يتشكل الآن في الخرطوم بكل أسف.
نأمل ألاّ يطول أمد الحرب ، لتمتد ساحات الخراب ، وألاّ يعشعش البأس ربوع البلاد بما صنعت أيدي الإسلامين الآثمة.
ما يعّقد المشهد الآن ، توّرط كتائب الظل المسلّحة للإسلامين ، في اندلاع المواجهات الحالية ، تحريضا وتخطيا ، ومشاركتها ميدانياً في ساحات المعارك ، بمباركة القائد العام للقوات المسلّحة السودانية الفريق البرهان ، الأمر الذي يجعل من التهدئة أو التسوية شبه مستحيلا.
إيزاء هذه الفتنة الكبرى ، والبلاء العظيم ، والذي وجد المواطن السوداني نفسه في ساحته مكرها ، أن يؤثروا السلامة ، ويقولوا من داخل منازلهم ، لا للحرب ، نعم الدولة ـ المدنية ، إن كان ذلك ممكنا وآمنا ، وإلاّ فعليهم بأضعف الإيمان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..