
أنين الشعب وصراخ المستثمرين معاً، مهما ارتفع وبلغ عنان السماء، فإنه لا يبلغ مسامع الحكومات السودانية المتعاقبة، منذ أن اندلعت – في منتصف التسعينات الفائتة – طامة الخصخصة وسياسة التحرير الاقتصادي التي أخرجت الحكومة من دائرة الاستثمارات العامة التي كانت توفر لها العزة قبل الإيرادات، بما يمكنها من مواجهة منصرفاتها العامة بكفاءة.
لعل السبب في هذا التجاهل المتعمد، يعزى إلى حاجة الحكومة المستمرة للمال الوفير من أجل تمويل خططها وبرامجها، في ظل تآكل قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم يوماً بعد يوم، فلا مفرّ من فرض الضرائب، بأشكالها المختلفة ( القيمة المضافة، الجمارك، رسوم الدمغة، رسوم الإنتاج، الضرائب المباشرة، الغرامات المفتعلة، وقطع الطرق، والجبايات المحلية..الخ)، حتى جهاز الشرطة تحوّل إلى سلطة جبائية من الدرجة الأولى باسم ضبط المخالفات.
النتيجة هي هذه الحياة الماثلة والتي لا تطاق، في ظل خدمات عامة هي الأسوأ من نوعها على مستوى العالم، ناهيك عن الهزيمة النكراء للتنمية، والملاحقة مسعورة إزاء أصحاب الطبليات والمشاريع الصغيرة وحتى المهن التي تقيم الأود بالكاد، مثل ستات الشاي وأنشطة البيع بالدرداقات أو فرش الخيش لبيع الشطة والليمون على الأرض، فكل هؤلاء مطاردون (دون أن يتعظ أحد بحادثة البوعزيزي التونسي الذي أحرق نفسه من جراء الجبايات ومطارداتها) وذلك كله لأن الحكومة، قليلة حيلة، لا تجد مالاً تموّل به بنود الرواتب ومصاريف التسيير، وبالتالي حدث انسداد تام لأفق الإنتاج وفرص العمل للشباب والجوعى، والحكومة تعلم ذلك ولكن ليس لديها سوى هذا الخيار.
لدي دراسة اقتصادية حصلت بها على درجة علمية، قبل عشر سنوات، وملخصها هو ما سميته في كتاب صدر عن دار المصورات للنشر( الغلاء المستعار Taxflation) وأعني به الغلاء أو التضخم الذي لم يتمخض عن التفاعلات الإقتصادية التلقائية مثل ضغوط الطلب أو قلة العرض، أو تمخضات زيادة عرض النقود، حين يفيض عن الحد المسموح به نظرياً، قياساً إلى حجم الناتج المحلي الإجمالي وحجم الاحتياطي النقدي، بل ينجم عن التمادي المفرط في فرض الضرائب ( خاصة غير المباشرة منها Indirect taxes) بحسبان أنه في حال ارتفاع معدلات التضخم فبلا بأس في التوسع الرأسي والأفقي في فرض الضرائب لأنها سؤدي حتماً إلى امتصاص السيولة وبالتالي تنخفض معدلات التضخم.
هذا خطأ كبير، يقع فيه حتى بعض الإقتصاديين، إذ ليس كل تضخم يعد تضخم طلب ( demand pull inflation ) حتى نواجهه بسياسات تقشفية من قبيل فرض الضرائب. هذا تبسيط مخل للمشكلة ذات الطابع المعقد.
هنالك ظاهرة تضخمية تنجم عن جانب العرض، وهو تضخم التكاليف، الذي تسببه الارتفاعات المفاجئة أو المفتعلة في عوامل الإنتاج، كزيادة الأجور، أو زيادة أسعار المواد الخام، أو أرباح الجشع التجاري، أو تزايد الوسطاء بعمولاتهم الباهظة، وكل هذا يؤدي إلى ما يعرف اقتصاديا بعملية نقل العبء الضريبي (Tax shifting ) حيث يقوم المورد أو التاجر بنقل الضرائب التي فرض عليه إلى المستهلك المضطر، فيتحملها وحده في صورة غلاء في الأسعار، خاصة السلع ذات المرونة الطلبية الضعيفة، كالأدوية والمواد الغذائية الرئيسة وكل ما هو مضطر إليه، ولذلك أطلقنا على هذه الظاهرة ( الغلاء المستعار) حيث إن الدولة هي التي خلقته (بيدها لا بيد عمرو) من خلال المبالغة في فرض وابل من الجبايات، خاصة الضرائب غير المباشرة، وهي التي يجري تحميلها على تكلفة السلعة فوراً ولا يتحمل التاجر أو المنتج منها شيئا.
لقد اكتشفت في بحثي محل الحديث، أعاجيب تكتنف السياسات الضريبية السودانية، ومما أذهلني ما يلي:
– بعض السلع تفرض عليها سبعة أنواع من الضرائب في الميناء قبل دخولها الى السوق، ويشكل إجمالي تكلفة الجبايات المفروضة عليها أحياناً 70% من سعرها النهائي، وهذا سيعني أنه في حال أن رشدت الحكومة وتنازلت عن هذا التضخم المصطنع/ المستعار، فلا محالة سينخفض سعرتلك السلعة إلى 30% من سعرها فوراً، (تخيل سلعة كانت بألف جنيه يصبح سعرها فجأة 300 جنيه فقط لأن الدولة تخلت عن الجبايات القهرية) ولكن هيهات هيهات، فالحكومة ليس لديها مصادر إيرادات أخرى – في ظل استمرار سياسة التحرير الإقتصادي – اللهم إلا التسول الدولي، أو المزيد من الجبايات، وليكن ما يكون.
– هل تصدقون؟، تلجأ الحكومة أحياناً، إلى تحصيل الضرائب المباشرة ( مثل ضريبة أرباح الأعمال) ضمن سلسلة الضرائب غير المباشرة التي تفرضها في الميناء، لماذا؟ قالوا لأن التاجر سيربح حتماً، لذلك تؤخذ منه نسبة من ضريبة الأرباح مقدماً على أن تخصم لاحقاً بنهاية العام. ذهبت بنفسي إلى جهة الإختصاص في وزارة المالية يومئذ ( قبل أحد عشر عاما) وقلت لهم: هكذا تتحول الضريبة المباشرة ( أرباح الأعمال) التي ينبغي أن يتحملها التاجر، إلى ضريبة غير مباشرة فيتحملها المستهلك المغلوب على أمره، في بلد نسبة الذين يرزحون تحت خط الفقر 65% من مجموع السكان، في بعض الاحصاءات المتفائلة. علماً بأن خط الفقر الدولي محدد بالحصول على دخل يبلغ دولارين في اليوم، وأما خط (الفقر المدقع) فهو دولار واحد، يعادل بسعر السوق اليوم 3650 جنيها وبالتالي فإن كل من يكون دخله الشهري أقل من 110 ألف جنيه فهو فقير فقراً فظيعاً في نظر البنك الدولي. فما بالكم أن الحد الأدنى للأجور في السودان ( بعد الثورة) يبلغ 12 ألف جنيه!!!!!. كان ردهم: نحن مضطرون، لمقابلة نفقات ملحّة لا تنتظر حتى نهاية العام!.
– الحكومة السودانية تعتمد في إيراداتها العامة بنسبة 70% على فرض الضرائب، لأنها بلا استثمارات عامة، وبلا أصدقاء داعمين من الخارج، شأن بعض الدول الإتكالية، والأدهى أن 90% من العبء الضريبي يتحمله بسطاء الناس، حيث إنه عبارة عن ضرائب غير مباشرة تزيد من تكلفة السلع والخدمات (cost push inflation ) لأنها ضرائب سهلة وسريعة المنال، ولا يهم من يتحملها. ومدير الضرائب الناجح هو من يفرض المزيد، (ويوسع المظلة الضريبية على راحته) فيجني من الشعب ما يتجاوز الربط بكثير، ليتفاخر بالكفاءة والنزاهة ويستحق المكافأة. هل قارن أحد بين حال مدراء الضرائب اليوم وحال أضرابهم في الستينات والسبعينات؟) قبل ثورة التضخم الضريبي؟.
– دعك عن هذا، والله حتى الزكاة، يتحملها الفقراء والمساكين بدلاً عن المزارعين، بمعنى أن الذرة مثلاً، التي يتم تحصيل زكاتها حين يجري بيعها للتجار في مواقع الإنتاج، تكون بسعر أعلى من الذرة التي لم تسدد قيمة زكاتها، لأن المزارع يحمّل قيمة الزكاة على تكلفة الإنتاج ويتنصل هو من هذه العبادة (ركن من أركان الإسلام)، لأنه فالح، بينما التاجر يرضى بهذا ما دام أنه مستفيد، فالمحصول المصحوب بورق الزكاة ( الإيصالات) لا يعترضه الجباة المتربصون للشاحنات في الطرق وأسواق المحاصيل.شيء يغم ويهم.
سأواصل لاحقاً، فأطرح البديل الذي أراه فعالاً لتجاوز هذه المأساة، وبما يغني الدولة تماماً عن الجبايات الباهظة هذه، فتكتفي بالرشد الضريبي، الأمر الذي يتوقع أن يخفض معدلات التضخم ( الغلاء المستعار) بصورة دراماتيكية ويوفر للحكومة إيرادات ضخمة تكفي منصرفاتها العامة، بشرط أن تمتلك الحكومة الإرادة الحقيقية لتبني الخطة والسياسات التي سنطرحها. وتستطيع أن تتحرر من قبضة ونفوذ الرأسمالية الطفيلية، وأن يتخلص رجال الدولة من (البزنس) وتضارب المصالح.
والله من وراء القصد.
د. محمد عبد القادر سبيل
[email protected]
خبير إداري وباحث اقتصادي



