مقالات وآراء

عودة بغير حموله:السفر الي الخارج حين يحترق الداخل

آدم أبكر عيسي

عَادَتْ سفينةُ الدولةِ إلى مينائها، حاملةً في جعبتها خطاباتِ الشكرِ والوعودِ المُعلَّقةِ في أروقةِ جنيف. ناقشَ قائدُها، الدكتورُ كاملُ إدريس، مع رؤساءِ المنظماتِ الدوليةِ مآسيَ الوطنِ: تشردًا ونزوحًا، حربًا التهمتِ البنى التحتيةَ وحوّلتْ قرابةَ ثلاثين مليونَ إنسانٍ إلى أرقامٍ في سجلاتِ اللجوءِ والتهجيرِ. أعربَ عن الامتنانِ للدورِ المحوريِّ لتلكَ المنظماتِ، وطرحَ فكرةَ العودةِ الطوعيةِ إلى الخرطوم.
لكنّ الشعبَ يسألُ: أينَ حَمَلةُ الدواءِ والغذاءِ الفعليةُ في هذا السفر؟
فالوطنُ الذي يُذبحُ على مذبحِ الحربِ، تُحترقُ أرزاقُه وتُدمَّرُ مستودعاتُه، وأولى أولوياتِ قيادتِه ينبغي أن تكونَ هي: تأمينُ قوتِ اليومِ ودواءِ الغدِ. مهمةُ “حكومةِ الأملِ” الأساسيةُ في هذا المنعطفِ الدامي هي إخمادُ النارِ الداخليةِ أولاً، بإطفاءِ جوعِ المعدةِ وعللِ الجسد، ثم وضعُ خططٍ ملموسةٍ لإعادةِ الإنتاجِ في الولاياتِ الآمنةِ وترميمِ عجلةِ الخدماتِ الأساسية.
والشعبُ يريدُ فعلًا لا قولًا:
· دعمَ القواتِ المسلحةِ والمشتركةِ بقوةٍ وإرادةٍ لتتحررَ الأرضُ ويستقرَّ الوطنُ.
· خططًا عمليةً للنهوضِ الاقتصادي وترشيدَ الإنفاقِ الحكوميّ، ليتوجهَ المالُ نحوَ تحريرِ الوطنِ وعونِ أسرِ الشهداءِ والجرحى، لا نحوَ أسفارٍ ترهقُ الخزينةَ.
· قيادةً تكنُ واجهةً مشرقةً للوطنِ حقًا، تستعيدُ مكانةَ السودانَ في الاتحادِ الإفريقيِّ والمحافلِ الدوليةِ، وترفعُ عنهُ ظلمَ التدخلاتِ الإقليميةِ، وتصنعُ علاقاتٍ متوازنةً تحفظُ السيادةَ والكرامةَ.
لكنّ السؤالَ الذي يطفو كظلٍّ طويلٍ باقٍ: أكانَ هذا السفرُ إلى جنيفَ – حيثُ العلاقاتُ القديمةُ في منظمةِ الملكيةِ الفكريةِ – ضرورةً أم هو هروبٌ مؤقتٌ من جمرِ الواجبِ اليوميِّ؟ كانَ بالإمكانِ تفويضُ وزيرِ الخارجيةِ لنقلِ الشكرِ وسماعِ الوعودِ، بينما يبقى القائدُ في ساحةِ المعركةِ الأهم: معركةِ إعادةِ الحياةِ إلى بلده.
كيفَ يُبدعُ قائدٌ لحلِّ أزمةِ بلدٍ هو غريبٌ عن جغرافيتهِ البشريةِ والاجتماعيةِ المعقدة؟ كيفَ يخططُ وهو محصورٌ بينَ مستشارينَ لا يمثلونَ تنوعَ هذهِ الأرضِ الشاسعةِ؟ الفشلُ في إحداثِ “تعددٍ حقيقيٍّ” في دائرةِ المستشارينَ هو فشلٌ في الرؤيةِ، وفي فهمِ أنَّ خلاصَ السودانَ لن يأتيَ إلا من داخلهِ، من توازناتِ أهلهِ، ومن خططٍ تنبضُ بإيقاعِ حاجاتِهم.
الشعبُ لم يعدْ يطيقُ تصريحاتٍ تُعلِّقُ الأملَ على مشانقِ الخطاباتِ. يريدُ أفعالًا تُلمَسُ. يريدُ حكومةً قويةً تُبدعُ في الدراما الصعبةِ للبناءِ تحتَ القصفِ. ربما حانَ الوقتُ لنتساءلَ: هل القائدُ الحاليُّ هو الرجلُ المناسبُ لقيادةِ سفينةِ مجلسِ الوزراءِ إلى بَرِّ الأمانِ، أم أنَّ السفينةَ تحتاجُ إلى ربّانٍ يعرفُ خرائطَ الجغرافيا البشريةِ للسودانَ، ويقدّرُ أنَّ أولَ الغيثِ قطرةٌ من دواءٍ.. وقبضةٌ من غذاءٍ.. وخطوةٌ ثابتةٌ على أرضِ الوطنِ المحرَّرةِ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..