مقالات وآراء

السلام المرتجى

ظل السلام غائباً عن الدولة السودانية منذ الاستقلال عام 1956. فقد اندلعت الحرب في جنوب السودان قبل الاستقلال بعام، ثم استمرت بعده، لتدخل البلاد في واحدة من أطول الحروب الأهلية في القارة الأفريقية، مخلفةً ملايين الضحايا والنازحين واللاجئين.

وانتهت الحرب الأهلية الثانية بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي مهّدت لاستفتاء تقرير المصير. ورغم أهمية الاتفاقية، فإنها لم تكن كافية لمعالجة جميع جذور الأزمة التاريخية، فانتهى الأمر بانفصال جنوب السودان.

لكن الانفصال لم يكن درساً كافياً لنظام المؤتمر الوطني؛ فلم يدرك أن معالجة الأزمات بمنطق القوة لا تقود إلا إلى مزيد من العنف والتمزق. واستمرت الدولة في خوض الحروب، وفي دارفور تواصل القتل والتهجير القسري وحرق القرى والممتلكات والنهب والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

وأُجبرت أعداد ضخمة من السودانيين على النزوح واللجوء، وأصبح الرئيس السابق وعدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين مطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

ومع ذلك، لم تتوقف دائرة العنف.

وبعد انقلاب أكتوبر 2021، دخل السودان في صراع متصاعد بين طرفي الانقلاب، انتهى إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023، التي لا تزال البلاد تكتوي بنيرانها حتى اليوم. ومع دخول الحرب عامها الرابع، يبقى السؤال مفتوحاً: متى وكيف تنتهي هذه الحرب؟

لقد ظلت الدماء تُسفك على امتداد عقود، دون أن تكون كافية لصناعة سلام يحفظ أمن المواطن السوداني وكرامته ورفاهه. ولم تكن كافية لإقناع القائمين على السلطة العسكرية بأن إدارة الدولة وصناعة القرار السياسي ينبغي أن تكونا بيد مؤسسات مدنية، وأن يكون دور المؤسسة العسكرية حماية الدولة والدستور، لا إدارة الدولة والحكم.

إن مستقبل السلام في السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببناء حكم مدني مستدام، واحترام إرادة الشعب السوداني وحقه في امتلاك قراره واختيار من يحكمه. كما يتطلب حسم العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية على أساس واضح، يضع القوات المسلحة وغيرها من القوات النظامية تحت السلطة المدنية وسيادة القانون.

وقد أثبتت التجارب أن السلام لا يتحقق بمجرد اتفاقيات تركز على تقاسم السلطة والثروة، ولا بتنفيذ البنود المتعلقة بهما وإهمال بقية القضايا. فالأساس الحقيقي للسلام المستدام هو معالجة جذور النزاعات، ومظالم المجتمعات المحلية، وحقوق الضحايا.

نحن بحاجة إلى اتفاقيات سلام تعالج أسباب النزاعات، وتضمن الحقوق، وتنصف الضحايا، وتراعي مصالح أصحاب المصلحة، وتمنح المجتمعات المتضررة دوراً حقيقياً في صناعة السلام وتحديد مستقبل مناطقها.

نحتاج إلى سلام تكون العدالة جزءاً أصيلاً منه، لا قضية مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الحرب؛ سلام يضمن المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، ويضع أساساً واضحاً لجبر الضرر وتعويض الضحايا، ويعمل على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وضمان عدم الإفلات من العقاب.

فالضحايا الذين فقدوا أبناءهم وبناتهم، والذين هُجّروا من قراهم، والنساء اللاتي تعرضن للعنف، والأسر التي فقدت مصادر رزقها وممتلكاتها، لا يمكن أن تُهدر حقوقهم تحت شعار «عفا الله عما سلف». فالسلام المستدام لا يقوم على طمس الألم أو تجاهل حقوق الضحايا، وإنما على الاعتراف بما حدث ومعالجته بالعدالة والإنصاف.

ونحتاج كذلك إلى سلام يعيد الاعتبار للنساء السودانيات بوصفهن صاحبات مصلحة أصيلات في السلام. فقد تحملت النساء جانباً كبيراً من أعباء الحرب والنزوح والفقد، وكنّ في الوقت نفسه جزءاً أساسياً من جهود المقاومة المدنية والمجتمعية وبناء السلام. ولذلك يجب أن تكون مشاركتهن حقيقية ومؤثرة في التفاوض، وفي تصميم الاتفاقيات، وفي مؤسسات الحكم الانتقالي وما بعد الحرب.

ونحتاج إلى سلام يعالج آثار الحرب على المجتمع السوداني، ويقود إلى ترميم اجتماعي وقيمي يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع، ويعالج سنوات العنف والكراهية والانقسام. فالخراب الذي خلّفته الحرب في النفوس والعلاقات الاجتماعية قد يستمر لعقود إذا لم تتم معالجته، وقد يصبح أرضاً خصبة لصراعات جديدة أكثر فوضوية وبشاعة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني للمصالحة وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، يقوم على الاعتراف بالانتهاكات، والاستماع إلى الضحايا، ومعالجة المظالم التاريخية، وإعادة بناء العلاقات بين المجتمعات، بعيداً عن الانتقام وعن فرض المصالحة بالقوة.

ونحتاج أيضاً إلى سلام يضمن إصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء مؤسسات العدالة والأجهزة الأمنية والعسكرية على أسس مهنية وقومية، ويخضعها للقانون والرقابة المدنية.

كما نحتاج إلى سلام يضع الموارد العامة تحت رقابة مؤسسات الدولة والقانون، ويكافح الفساد ويحاسب المتورطين فيه، لتصبح ثروات السودان وسيلة لبناء حياة أفضل للمواطنين والمواطنات، لا مصدراً لتمويل الحروب والصراعات وأدوات القتل والدمار.

والسلام الذي نريده لا يمكن أن ينفصل عن إعادة الإعمار. فالسودان يحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب من مساكن ومدارس ومستشفيات وطرق ومرافق عامة، وإعادة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم بصورة طوعية وآمنة وكريمة، مع توفير شروط الحياة الأساسية التي تمكنهم من إعادة بناء حياتهم.

نحتاج إلى سلام يحقق التنمية، ويعيد توظيف موارد السودان الهائلة لمصلحة شعبه، بدلاً من نهبها أو استخدامها في تمويل الحرب التي تقتل أبناء وبنات السودان.

وينبغي أن يضمن السلام بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، ومؤسسات تحكم بالقانون، وعدالة تنصف الضحايا، واقتصاد يوفر للناس حياة كريمة، ومجتمعاً قادراً على تجاوز جراح الحرب دون أن ينسى ما حدث أو يتخلى عن حق الضحايا في العدالة.

السودان لا يحتاج إلى سلام مؤقت يوقف الحرب ثم يعيد إنتاج أسبابها، ولا إلى اتفاق جديد تتقاسم فيه النخب السلطة والثروة بينما تظل جذور الأزمة قائمة.

السودان يحتاج إلى سلام يعالج أسباب الحرب، وينصف ضحاياها، ويعيد بناء الدولة، ويحفظ كرامة الإنسان السوداني، ويضمن مشاركة المواطنين في تقرير مستقبلهم، ويفتح الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية مستقرة.

ذلك هو السلام الذي يستحقه السودان.

وذلك هو السلام المرتجى

21 سبتمبر 2026

#اليوم–العالمي-للسلام#

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..