مقالات وآراء

الشريعة والنص الدستوري غير المكتوب

ترسخ بعض المبادئ الدستورية , فتظل حاضرة ولو لم تكتب . و هكذا عرفت بعض الدساتير بأنها غير مكتوبة . و قد تكتب النصوص الدستورية في بلاد لا تحترم الدساتير فيصبح النص الدستوري حبراً على ورق .. دعاني لهذه المقدمة بيان منسوب لحزب المؤتمر الوطني, عاب على الإعلان الدستوري ـ الذي توصلت إليه القوى السياسية مؤخراً , إغفاله مرجعية الشريعة الإسلامية .
للشريعة أحكام ليست موضع خلاف , هي المرتبطة بالشعائر الدينية والقواعد المنظمة للأحوال الشخصية , لكنها أصبحت شعاراً مبهما عندما أقحمت في السياسة , حتى صارت شعاراً مشتركاً بين تنظيمات تختلف عن بعضها اختلافا كبيراً , كالاختلاف بين حزب العدالة و التنمية التركي الأقرب للحداثة, و طالبان و داعش المتخلفين عن العصر .. الشريعة بمعناها الديني المباشر يعيشها عامة السودانيين بلا انشغال بتثبيت النص من المؤتمر الوطني و لا انشغال بإغفال النص من قوى الحرية و التغيير , فهم في صلواتهم و أذكارهم وصيامهم وقيامهم و زكاتهم و طوافهم و ميراثهم وزواجهم وطلاقهم ملتزمون بالأحكام الشرعية . ما منعهم عن ذلك غياب النص و لو كان الحاكم مستعمراً غير مسلم . في الجانب الآخر , لم يمنع وجود النص الدستوري المؤتمر الوطني من تزوير الانتخابات وقتل المعارضين بل و بعض الموالين والتلاعب في الأراضي وابتداع بدعة التحلل المبيحة لاستباحة المال العام .
هذه المقارنة أو قل ـ إن شئت , المفارقة , تدعونا بقوة لمعرفة كيفية إقحام الشريعة في السياسة .. كان الساسة قبل تديين السياسة ـ أو تسييس الدين ـ يتبارون في كسب التأييد لبرامجهم السياسية بأدوات سياسية صرفة , بلا ادعاء قداسة لهذا البرنامج أو ذاك . هذا يدعو للديمقراطية و ذاك يدعو لزيادة رقعة المساحة المزروعة قمحاً ؛ حزب يقترح بناء مطار جديد بينما يركز آخر على تأهيل السكة حديد, و يضع حزب الرعاية الصحية على رأس أولوياته ويهتم حزب آخر بالتعليم الفني .. و لا يزعم أي من هؤلاء الساسة أو الأحزاب أن الديمقراطية أمر ديني و لا أن الدكتاتورية من النواهي الدينية , و لا الحكم المركزي إسلامي أو أن الحكم اللا مركزي مخالف للإسلام ؛ و لا تقديم الزراعة على الصناعة ترتيب مقدس و لا العكس قرار باطل .
هكذا كان الحال إلى أن تسللت إلى المجتمع المسلم أفكار ترى أن الاكتفاء بأحكام الشريعة في الشعائر و بعض المعاملات يعني أن الإسلام لا يملك رؤى تُعنى ببقية أوجه الحياة ؛ وهذا ما لا يجوز أن يقول به المسلم الحق , فقدموا (توليفات) من اجتهادهم ألحقوا بها صفة الإسلامية ظناً منهم أنهم بذلك يثبتون للإسلام كمالاً أنكره عليه الآخرون .
لم يقف الأثر السلبي لهذه الاجتهادات عند إنشاء مؤسسات فاشلة عجزت عن منافسة سابقاتها التي لا تحمل صفة الإسلامية . لقد فتح الفهم الخاطئ لشمول الشريعة كل مناحي الحياة, الأبواب واسعة لكل من يدعي فهما للشريعة من منطلق سياسي , فأدخلت الشريعة في متاهة الفوضى الفكرية ؛ إذ تعددت واجهاتها و الكل يزعم أن برنامجه الحزبي مستمد من الشريعة الغراء . يستوي في ذلك من يزعم أن رفضه للديمقراطية مبني على حكم الشريعة, والذي يدعي أن دعوته للديمقراطية منطلقة من حكم شرعي . و انفرط الأمر حتى بلغ تحريم تعليم المرأة باسم الشريعة بل و سبي النساء و استرقاق الرجال .
بعد توضيح قيمة و حكمة عدم تبني الإسلام لخيار سياسي واحد جامد, تمشياً مع طبيعة الحياة و تجددها , يمكن القول بلا تردد و بلا مساس بالدين إن الاكتفاء بإيراد اسم الإسلام أو الشريعة في الدستور لا يعني فهماً محدداً , بينما يكون النص على المبادئ الديمقراطية ذا معان و مفاهيم واضحة و محددة ـ بلا حاجة لإضافة الإسلام إلى النص , حيث تكون الإضافة في هذه الحالة تزيُداً و ضرباً من النفاق السياسي .

عادل إبراهيم حمد

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..