ردّ على مقال: المثقفون بين بؤس العلمانية وعدالتها

محمد علي الحسن ادريس
بغض النظر عن أصل مفردة “العلمانية”، فقد اكتسبت هذه الكلمة في الفكر السياسي الحديث معنى محدّدًا منذ أعمال جان بوبيرو، وهو معنى لا يصح تجاهله أو تجاوزه بادّعاء أنّ “العلمانية في حقيقتها” شيء آخر غير ما هو مستقرّ اليوم في الفقه السياسي. ليست “العلمانية” الكلمة الوحيدة التي تغيّر معناها عبر الزمن؛ فكثير من المفردات الفلسفية والسياسية بات استخدامها المعاصر مغايرًا لأصلها اللغوي أو التاريخي. المهم هو معناها الإجرائي اليوم، لا جذورها اللغوية.
تعني العلمانية، في صيغتها القياسية الحديثة:
1. فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة.
2. ضمان حرية التصرف للأفراد، بحيث لا يحدّها إلا احترام حقوق الآخرين والنظام العام.
3. عدم تمييز الدولة بين الناس على أساس معتقداتهم الدينية أو عدمها.
هذا التعريف قائم بذاته، بغضّ النظر عن وجود ملحدين — لا علمانيين — يستخفون بالمؤمنين أو يهاجمون الأديان. تلك مواقف أفراد، وليست جوهر العلمانية ولا شرطًا من شروطها.
والظروف التي قادت الأوروبيين إلى تبنّي العلمانية ليست مطابقة لظروفنا، وإنْ وُجد تأثير تاريخي متبادل بين التجربتين. لكل مجتمع مساره، ولكن الحاجة إلى نظام سياسي لا يحمّل الدين أعباء الصراع السياسي هي حاجة إنسانية عامة، وليست أوروبية فحسب.
أما ما يحدث في فرنسا مثلًا، فهو — في جوهره — رد فعل متطرف على فعل متطرف، مع وجود تعقيدات أخرى تتعلق بالهوية الأوروبية والهجرة والإرهاب. وهذه كلها يجب أن تُفهم في سياق تفاعل طويل بين الاستعمار، والحرب الباردة، والقضية الفلسطينية، ولعبة المخابرات. لا يجوز اعتبار التجربة الفرنسية “نموذجًا وحيدًا” للعلمانية، ولا يجوز محاسبة الفكرة كلّها بسلوك دولة واحدة.
تبنّيي للعلمانية — بوصفها نظامًا لضمان المساواة — صادر عن باراديم مختلف تمامًا عن ذلك الذي انطلق منه مقال د. أحمد. وأحاول تلخيصه كما يلي:
أولاً: الإسلام — نصًا وتراثًا ومؤسسات — لم يحسم كل قضايا عصرنا
هناك قضايا مركزية لم يقدّم فيها التراث الإسلامي حكمًا نهائيًا يتوافق مع ما نعلم يقينًا أنّه من قيم العدل الإلهي. مثال ذلك الرقّ؛ فالنص لم يحرّمه تحريمًا صريحًا، ولكن تطور الوعي الإنساني قادنا اليوم إلى يقين أخلاقي: لا يجوز لإنسان أن يكون ملكًا لإنسان. يبدو أن الله ترك للبشر مهمة الوصول إلى هذا الاستنتاج متى ما ارتقى وعيهم. فإذا كان ذلك ممكنًا في الرقّ، فماذا أيضًا تركه الله لنا لنجتهد فيه حين “نعرف أحسن”؟
ثانيًا: كثير من “الحقائق الفقهية” ليست إلا نتاجًا لحقبة تاريخية محددة
الدولة الدينية كانت هي الشكل السائد منذ نشوء الدول القديمة حتى زمن البعثة؛ الإمبراطورية الرومانية مسيحية، والفارسية مجوسية، والحروب كلها تُخاض بلبوس ديني ولو كانت في سبيل الأرض. لذا فالموروث الفقهي الذي نظّر للدولة الدينية لم يكن تعبيرًا عن “حكم سماوي” قدر ما كان استجابة لواقع سياسي عالمي آنذاك.
ثالثًا: الإنسان تطوّر — والفكرة السياسية كذلك
من اختراع الكتابة، إلى علم الاجتماع عند ابن خلدون، إلى الفيزياء الحديثة، إلى العلمانية، شكّل الإنسان رؤيته للعالم عبر مسيرة طويلة. اليوم نعرف — من علم السلوكيات — أن المنع والعقوبة الرادعة ليست دائمًا الوسيلة الأكثر فاعلية لمعالجة السلوك في مجتمع متعلم. أحيانًا تقليل الضرر هو السبيل الأمثل، عبر تشريعات تضع الظاهرة في سياق منظم بدل قمعها، بينما يتكفل الوعي المجتمعي بتوجيه السلوك. هذا هو المنطق الذي يضع الخمر في بارات محددة للبالغين بدل أن يخلق سوقًا سوداء.
أما ما ذهب إليه د. أحمد من أن العلمانية “بائسة” لأن الإسلام “عادل”، فهو إجراء مقارنة مضللة بين ** مثال ديني مثالي** وبين تطبيقات بشرية ناقصة للعلمانية. ولو استخدم المنهج نفسه لعقدنا مقارنة بين المثال الأخلاقي الإسلامي وبين التجارب التي حكمت باسم الإسلام، ولرأينا أن الهوّة بين المثال والتطبيق في هذه الأخيرة أوسع بكثير.
العلمانية ليست خصمًا للدين
فرض تأويل واحد للدين عبر مؤسسات الدولة يعني تحويل الدين إلى أداة صراع سياسي، وإقصاء بقية التأويلات، وخلق صراع دائم بين من يحتكر “الحقيقة” ومن يُقصى عنها. لذا فالعلمانية تحمي الدين من الاستغلال السياسي أكثر مما “تحمي السياسة من الدين”.
كما أن “الهوية” التي يخشاها البعض من العلمانية لا تكون مهددة إلا إن كانت هوية هشة. أمّا الهوية الراسخة فلا تخشى الحوار ولا التعددية. والإسلام — كدين عالمي — لا يحتاج إلى حماية عبر سلطة الدولة ليحافظ على وجوده.
الخلاصة
السؤال ليس:
هل العلمانية ضد الإسلام؟
بل:
هل نريد دولة تحمي حقوق الجميع، ولا تسمح بأن يتحول تأويل واحد للدين إلى قوة حكومة تُلزم الناس بما لم يرضوه؟
العلمانية، وفق تعريفها الدقيق، ليست مشروعًا لإلغاء الإيمان، بل آلية لضمان العدالة والمساواة، وصون الدين من أن يصبح سلاحًا سياسيًا أو أداة في يد السلطة.
ومقال د. أحمد — مع احترامي له — لم يناقش العلمانية كما هي، بل ناقش صورة مشوهة لها، ثم حكم عليها بناءً على تلك الصورة. ولو ناقش تعريفها الحقيقي، لرأى أنها ليست بؤسًا، بل محاولة بشرية لصون الكرامة الإنسانية في مجتمع متنوع.



